Al-Badr al-munīr fī maʿrifat allāh al-ʿalī al-kabīr
البدر المنير في معرفة الله العلي الكبير
وقد تقدم تفصيل المناصفات والأعواض، فذلك أي: الوعد بالجنة وحصولها ودخولها لأولئك) حق مقطوع به، وخلوده فيها خلودا لا انقطاع له مقطوع بذلك كذلك من أنكر (أي ذلك) كفر إجماعا، ولا مسلم يكون مسلما بغير الإقرار والاعتراف بكونه حقا مقطوعا بوقوعه، وأدلة ذلك من العقل والكتاب والسنة كثيرة العدد وبعيدة الإحصاء لمن عد يكفي من العقل ما قدمنا في باب البعث، ويكفي من السمع قوله تعالى: {وفي السماء رزقكم وما توعدون} ثم أقسم تعالى بصحة ذلك وصدقه وأحقية وقوعه وحقيقته وكونه حكمة وعدلا لا خلف له، فقال تعالى مقسما بنفسه تعالى: {فورب السماء والأرض إنه لحق مثلما أنكم تنطقون} وفي الخلود في الجنة بعد دخولها وأن دخولها وحصولها ووقوعها أجرا وجزاء وثوابا وعوضا لأهل الأعمال الصالحات المؤمنين والمؤمنات المكلفين على منازلهم ومراتبهم وعوضا لا ينقطع لغير المكلفين من غيرهم عن ألم الموت، قوله تعالى في الناس وأجر المؤمن منهم: {لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم * ثم رددناه أسفل سافلين * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون} أي: غير مقطوع، وقوله تعالى في حقهم كذلك: {فمنهم شقي وسعيد} ثم قال تعالى بعد ذلك في المؤمنين: {فأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ} أي: غير مقطوع، والجذ القطع في اللغة، وجذ الثمار والزروع قطعها، وقوله تعالى: {بل الذين كفروا يكذبون * والله أعلم بما يوعون * فبشرهم بعذاب أليم * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون} وقوله تعالى في حقهم وحق غيرهم من الملائكة ومؤمن الإنس والجن وأن ذلك جزءا لا يعلم تفصيل حسنه وملاحته إلا الله تعالى: {أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون * أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى نزلا بما كانوا يعملون} بعد ذكره تعالى للمؤمنين بصفاتهم وذكر جزائهم بأعمالهم من أي المكلفين هم من [199ب] الملائكة والأنبياء عليهم السلام والإنس والجن، وأن جزاءهم الذي تقر أعينهم به لإيمانهم وعملهم الصالح والصبر على أحكام التكليف والصبر على ألم الموت والقتل بحق أو مظلوم، والصبر على كل مصيبة، فقال تعالى في صفاتهم وجزائهم المتعقب لتلك الصفات وعظمه على تلك الأحكام: {إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون * تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون}(1) ثم قال تعالى بعد ذلك مخبرا بالجزاء لكل أولئك أهل تلك الصفات من الملائكة والأنبياء عليهم السلام ومؤمني الجن والإنس وعظم ذلك الجزاء بحيث لا يعلم كنه تفصيله بكل الصفات إلا الله تعالى لعظمه بقوله تعالى: {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون}(2) ثم قال تعالى مخبرا أن ذلك الجزاء هو الجنة الموعود بها قطعا: {أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى نزلا بما كانوا يعملون}(1) وقوله تعالى في الجنة كذلك جزاء الصابرين على كل بلاء مع الرضا والشكر: {إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب}(2) وقوله تعالى في حشر جميع المخلوقات أهل الأرواح وتعويضهم وعوض غير المكلفين يسمى عوضا ولا يسمى جزاء ولا ثوابا ولا أجرا، بل عوض عن آلامهم؛ لأن الأجر والثواب والجزاء هو المستحق على جهة التعظيم كما قال تعالى: {وهم مكرمون}(3) وتعظيم من لا يعقل مصلحة التعظيم والتشريف ولا يفرق بين فعله وتركه ما لم يصل رمته ما يؤلمه إيلاما لأجل الروح من ساوى البهائم والطيور وغير الإنس والجن والملائكة والأنبياء عليهم السلام يكون عبثا وإلا فهم وإن فارقوا الدنيا أطفالا يبعثون في سن أربعين سنة كاملي العقل، فيعظمهم بفضل فيستحقون الجزاء والأجر والثواب ويكون ذلك على ألم الموت عوضا مع التعظيم والتشريف لوجود العقل الكامل فيهم، فيجازون بما يقطع عليهم من عمر الدنيا بفراقها صغارا وبما لم يحصل لهم من محاسنها ويعرفوا ما لهم وعليهم فيها من أنواع العلم كأجناسهم إذا قد علم الله تعالى أنه لو أحياهم في الدنيا حتى يكلفوا ويمكنهم العلم والعمل لدخلوا فيه باختيارهم فإنه يعوضهم تعالى عن ذلك ويخبرهم بالعوض، وفي ذلك يقول الله تعالى: {ولا يظلم ربك أحدا}(4) وفي حشر جميعها كذلك لعوض وثواب وجزاء وأجر في الثقلين والملائكة وعوض فقط لغير العقلاء من الحيوان غير الإنس والجن يقول الله تعالى في ذلك الحشر:
Page 293