717

Al-Badr al-munīr fī maʿrifat allāh al-ʿalī al-kabīr

البدر المنير في معرفة الله العلي الكبير

الأول: فناء الحيوانات أهل الأرواح، فهو إذهاب معنى الحياة منها بإذهاب أرواحها وحفظها منه تعالى في غير أجسامها حيث يشاء تعالى قال الله تعالى في ذلك: {الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت} يعني تعالى: يمسكها تعالى بحفظ روحها التي جعلها الله تعالى سببا وشرطا في حياة الأنفس، والأنفس هي الذوات، ويكون انتثارها -أعني الأجسام عن تأليفها بعد ذلك وتبدد أجزاءها بين أجزاء الأرض ولجج البحار وبطون السباع واجتماعها في موضع من قبر أو كهف حتى ينشرها تعالى أحياء سوية، وفي ذلك يقول الله تعالى: {وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون} فجعل تعالى بقوله تعالى: {وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون} كل ذي روح [181ب] يجري عليه حكم المكلفين من غيرهم والحشر، وقال تعالى في أن الفناء إذهاب الأرواح التي بها بإذن الله تعالى الحياة ويبدد الأجسام أجزائها بين أجزاء الأرض وأنه تعالى يعلم أين صار كل جزء من ذلك ليعيده حيا سويا، فقال تعالى في ذلك كذلك حاكيا قول الكافرين ومجيبا عليه بما يسكته على لسان سيد المرسلين محمد صلى الله عليه وآله بقوله تعالى: {قال من يحيي العظام وهي رميم * قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم} (1) وقال تعالى حاكيا دور الكفار بقوله تعالى: {بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقال الكافرون هذا شيء عجيب * أإذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد} (2) فقال تعالى في ذلك منكرا عليهم إنكارهم للبعث واستبعادهم له ومكفرا لهم بإنكاره وهو دون الإنشاء في اليسر وتركه قبيح وعبث؛ لأن العوض على ألم الموت وثواب الطاعات وعقاب المعاصي متعقب له قطعا والإخلال بذلك قبيح عقلا، والله تعالى غني حميد، ثم قال تعالى مخبرا لهم ولجميع أهل العقول أنه يعلم أين صاروا ليعيدهم تعالى أحياء للجزاء والأعواض، فقال تعالى في ذلك كذلك: {قد علمنا ما تنقص الأرض منهم وعندنا كتاب حفيظ} ثم أمرهم تعالى أن يقيسوا النشأة الآخرة على ما يشاهدون من أحداث الخلق الأول ووقوعه على وفق إخباره تعالى به قطعا ، وأخبر تعالى بأنهم يعرفون ذلك المقيس عليه، وأنهم يعرفون الله تعالى خالقهم، وأنه لا يكذب بما ركب فيهم من العقول السليمة، وإنما مرادهم إنكار الخلق معاندة لعقولهم، واستبعادا بما لم يشاهدوا، فقال تعالى في ذلك كذلك، وأمرهم تعالى بعد ذلك أن ينظروا بعقولهم في الصنع ليذهب عنهم استببعاد ما كذبوا به واستبعدوا: {بل كذبوا بالحق لما جاءهم فهم في أمر مريج* أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزينا ها وما لها من فروج* والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج* تبصرة وذكرى لكل عبد منيب * ونزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات وحب الحصيد* والنخل باسقات لها طلع نضيد* رزقا للعباد وأحيينا به بلدة ميتا كذلك الخروج} (1) يعني تعال فإذا قد تحققوا صدق مخبر المقيس عليه، وفعل المقيس عليه بفضل فالإخلال به لا يذم عليه العقلاء؛ لأنه ليس قبيحا عقلا؛ لأن الحكم إذا لم يكن في إظهار حكمته قضى ما يذمه عليه العقلاء من جهة القبيح العقلي لم يقبح منه ترك إظهارها، فالله تعالى لا يذم على ترك خلق العالم ابتداء.

Page 207