686

Al-Badr al-munīr fī maʿrifat allāh al-ʿalī al-kabīr

البدر المنير في معرفة الله العلي الكبير

وينسب غلاء السعر ورخصه حقيقة إلى الله تعالى، فغلاه ينسب إليه تعالى إذا ابتلى تعالى العبيد بالحطام بقلة الأمطار في وقت قد عودهم فيه تعالى المطر، وبضرب الزروع والثمار بالآفات، وينسب رخصه إليه تعالى حقيقة إذا أراد تعالى الخيرات بالأمطار في أوقاتها من الصيف والخريف والعياض وصرف تعالى عنها الآفات، فلا ينسبان حقيقة إلا إلى الله تعالى، ولذا إنهم حين شكوا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غلاء السعر وأن يسعر لهم فقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((الله المسعر القابض الباسط)) فلم يفعل صلى الله عليه وآله وقد ينسبان مجازا إلى التجار إذا أفاضوا ما عندهم في وجه يسر ويقال: عسر، وقد ينسب مجازا الغلاء إليهم إذا احتكروا ما في أيدي أهل بلد وقبضوا خوف العسر، فيكلفون البيع لا التسعير حيث خشي التلف أو الضرر، وإنما قلنا مجازا في حقهم الرخص والغلاء؛ لأنهم لا يقدرون بمنع رزق الله تعالى ولا ببسطه، بل ذلك كله إلى الله تعالى بسط رزقه تعالى وقبضه، ولذلك ذم الله تعالى من قال أن الرزق والغنى يخليه من الكفار حيث حكى تعالى ما وعظ به العلماء قارون بقوله تعالى بعد إتيانه تعالى له أعني قارون ما حكى بقوله تعالى: {وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة} فلم يؤدي حق ذلك من الشكر والاعتراف لله تعالى بأنه من فضل الله، فلما رأى ذلك علما قومه منه وعظوه ووعظه صالحهم وغيره، وأنكر عليه جميعهم؛ لأن كل مسلم ينكر على من جحد نعمة الله تعالى ونسبها إلى نفسه وحيلته ولم ينسبها إلى الله تعالى، فوعظه قومه بما حكى الله تعالى عنهم بقوله تعالى: {إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين * وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنسى نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين} ثم حكى الله تعالى جواب قارون لعنه الله تعالى لكلام أهل الوعظ ذاما تعالى لقارون لعنه الله تعالى بسبب نسبة قارون ما أتاه الله تعالى إلى نفسه ولم يشكر لله تعالى النعمة ويترك البغي على موسى عليه السلام والكذب عليه والفخر والخيلاء وأخبر تعالى بكفر قارون بذلك فخسف به الأرض بتعجيل عقوبة الله حيث لم يتب من ذلك، فحكى تعالى جوابه لأهل الوعظ، ثم حين لم يتب ويمتثل ما قالوا فعل تعالى به ما فعل تعالى بتعجيل عقوبة له، فقال تعالى حاكيا جواب قارون للوعظ بقوله تعالى: {قال إنما أوتيته على علم عندي} ثم قال تعالى ذاما له فقال تعالى: {أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا ولا يسئل عن ذنوبهم المجرمون} يعني تعالى: أولم يعلم قارون أحوال من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا من المهلكين قبله فيتعظ قارون بما شاهد من آثار من قد أهلكه الله تعالى من قبله، وكانوا أشد منه قوة وأكثر جمعا من الأخدام والخول والأموال، فأهلكهم الله تعالى حين لم يشكروا ولم يتبعوا الرسل، [170ب] ولم يسألهم تعالى عن ذنوبهم، بل عاقبهم تعالى بها من غير رضاهم، وقهرهم تعالى بقوته ولم يؤاذنهم في العقاب على ذنوبهم، فلو كان ابتداء النعم والأرزاق فعلهم وحيلتهم وليست لله تعالى عليهم أصولها وفروعها مخلوقة له تعالى جميعها، فكان إذا هي لهم وقد قدروا بزعمهم على ابتدائها فليقدروا على استمرارها ودفع زوالها وما نزل بهم حين يريد الله تعالى انقضاءها، فإذا لم يقدروا على رد ما نزل بهم من زوالها، فكيف ينسبون إلى أنفسهم وحيلتهم خلقها وابتداءها، إذ من قدر على الابتداء قدر على حفظ ما ابتداه، فإذا لم يقدر على حفظه عرف وعلم أن المبتدي له غيره؛ فإذا لم يقدر العالم على حفظ النعم والأرزاق من الزوال بالموت والآفات علموا قطعا أن الذي أزالها وهو الله تعالى هو الذي خلقها لهم ومن بها عليهم ابتداء وليست بحيلتهم ولا خلقهم ولذا قال تعالى: {امشوا في مناكبها وكلوا من رزقه} ولم يقل تعالى: من رزقكم أنفسكم تعالى الله عن مقالة المفترين ثم أخبر تعالى مشنعا على قارون لعنه الله تعالى بما حصل فيه الوعظ من العتو والنفور والتكبر والفخر والرياء والمباهاة بما حكى تعالى من فعله أي قارون بعد ذلك بقوله تعالى ذاما له مع عدم فعله لما يجب منه عليه من الشكر للمنعم عليه به بقوله تعالى: {فخرج على قومه في زينته قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثلما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم} وذلك أن قارون لما وعظه قومه أراهم تلك الزينة فينظر هل يحبون ما يحب، وليظهر لهم التطاول عليهم وأنهم ليس لهم به قبل، وأنهم لو أرادوا مباينته لم يقدروا لما هو عليه من الزينة بالمال والملك العظيم، فاختلف الناس عند إظهار قارون للزينة بخروجه فيها، فقال تعالى حاكيا اختلافهم عند ذلك وتأثير فعله في أهل الحياة الدنيا منهم بقوله تعالى: {قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثلما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم * وقال الذين أوتوا العلم والإيمان ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ولا يلقاها إلا الصابرون}(1) ثم حكى تعالى ما فعله تعالى من الخسف عقوبة لقارون على بغيه على رسوله موسى عليه السلام وكذبه عليه، وافتخاره، ونسبته النعمة إلى علمه وحيلته، وكان ابن عم موسى عليه السلام فباين موسى وظلمه، وافتخر وتكبر، وعتا وتجبر، ففعل الله تعالى به ما فعل}ولعذاب الآخرة أشد وأكبر} فأخبر تعالى بذلك الذي فعله بقارون فقال تعالى حاكيا لذلك بقوله تعالى: {فخسفنا به وبداره الأرض فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين * وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس يقولون وي كأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر لولا أن من الله علينا لخسف بنا وي كأنه لا يفلح الكافرون}[171أ] فلما عاين غير العلماء من قومه ما حصل به من العقاب على مخالفة رسول الله موسى عليه السلام وعلى افتخاره بالزينة، وعلى نسبته النعمة إلى علمه وحيلته، قالوا ما حكى الله تعالى عنهم وشرحوا صدورهم بالفقر مع السلامة، وأقروا بمغبة الملك والزينة إذا لم يشكر الإنسان عليها، ويعترف أنها من فضل الله تعالى أصلها وفرعها ليس له في إيجاد أعيانها من العدم حيلة ويتبع الرسل طاعة لله تعالى، ولا يتكبر عليهم، فذلك كفر، ونسبة النعمة من الرزق وغيره من الله تعالى، وإخراج عين ذلك الرزق إلى الوجود بعد العدم إلى حيلة الإنسان كفر، والكبر والتفاخر بالأموال والأولاد والخدم والزيادة في الجسم على المساكين والفقراء وأهل النقائص كل ذلك حرام أو فسق في بعضها ولذلك قال تعالى في آخر الآية مقررا لحكايته تعالى عنهم ما قالوه من تكفيرهم قارون بذلك الذي فعل بقوله تعالى: {وي كأنه لا يفلح الكافرون}.

ونحن معترفون له تعالى بخلق أصول النعم والأرزاق وفروع ذلك من العدم وليس لنا في ذلك إلا أخذه من حيث خلقه، أو أخذه من الآخذ له من حيث خلقه تعالى.

وفي هذا كفاية، وصلى الله على سيد الرسل وسيدنا وأبينا محمد المصطفى وآله وسلم.

Page 156