472

Al-Badr al-Munīr fī maʿrifat Allāh al-ʿAlī al-Kabīr

البدر المنير في معرفة الله العلي الكبير

فصل

حسن نظر الله سبحانه لعباده فيما يصلحهم ويرشدهم ويكونون معه أقرب إلى ما يرضيه تعالى عنهم وأبعد من الحرج، وأيسر عليهم في التكليف، وأحسن لهم عاقبة، وأبعد من الخطر، وأدخل في السعادة والأجر، والخير في الدنيا والآخرة خير لهم من نظرهم لأنفسهم ونظره تعالى لهم في تفضيل بعضهم على بعض ابتداء، وجعلهم تابعا ومتبوعا خيرا من نظرهم لأنفسهم وفي ذلك، وأنهم لا يملكون عليه اختياره تعالى، وأنه غالب لهم عليه في الدنيا والآخرة، وأن اختياره تعالى فعله وليس فعلهم، وأن اختياره تعالى لهم أصلح لهم في دنياهم وآخرتهم وأصوب من نظرهم لأنفسهم ومن اختيارهم لأنفسهم، وأنه تعالى مراده ليس تابع مرادهم، ففي ذلك كله يقول تعالى: {وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة}(1) فأخبر أنه ليس لأحد أن يختار غير ما قضى، وأن الخيرة له في قضائه وقدره، فلو قضى على قوم أن يكفروا كما زعم الجاهلون لم يكن لهم أن يختاروا غير ذلك -تعالى الله عما يصفون- وقال: {ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن}(2) فأخبر أن تدبيره لو كان على ما يهوى العباد لفسدت الدنيا، وأنه لا يكون صلاح الدنيا وصلاح أهلها إلا بما دبر لهم وخلق وقضى وقدر واختار، وليس في الكفر والمعاصي صلاح ولا منفعة ولا خير في دنيا ولا آخرة، فتبين بذلك أنها ليست من اختيار الله لخلقه لأنها فساد في الدين وسوء تدبير وفاعلها ملوم مذموم، وهذا دليل على أنها من فعل المخلوقين لا من فعل رب العالمين.

Page 243