445

Al-Badr al-Munīr fī maʿrifat Allāh al-ʿAlī al-Kabīr

البدر المنير في معرفة الله العلي الكبير

وقد أخبر تعالى أنه رضي الإسلام دينا، وهو سبحانه إذا رضيه دينا فقد قبله، وإذا قبله فهو الإيمان، ولو لم يكن المقصود به الإيمان لم يقبله تعالى، ولم يرضه لقوله تعا(1)لى: {إنما يتقبل الله من المتقين}(2)، ولقوله تعالى: {ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا}(3)، ولقوله تعالى: {فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه}[الأنبياء:94]، ولا له قاصون [الرجى توضيح الخط] وأخبر في قوله تعالى آمرا: {قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين}[الأنعام:161]، فأخبر تعالى أن الصراط المستقيم الذي يرضاه دينا ملة إبراهيم حنيفا دينه مائلا عن أديان أهل الشرك، وقال تعالى: {وما كان من المشركين} يعني تعالى إبراهيم عليه السلام لم يكن من المشركين في شيء من الخصال من الكفر أو إخلال بواجب يعلمه استحلالا ولا غير استحلال [111ب] وذلك هو الإيمان، وقال تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون * ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون * إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين}(4)، وقال تعالى: {ألا له الدين الخالص}(5)، وقال تعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة}(6)، فشدد تعالى في هذه الآيات بقوله تعالى: {ألا لله الدين الخالص} يعني تعالى الخالص من الشوائب كالرياء والإصرار على شيء يعلم من القبائح، وبقوله تعالى: {مخلصين له الدين} يعني تعالى قاصدين بذلك وجهه تعالى، ناوين الإتيان به على ما أمرهم به تعالى من الإتيان به خالصا مما يرده عن القبول من المعاصي المعلومة كالرياء وغيره من الإصرار على ما يعلم المكلف قبحه من الكبائر، وهذا كما ترى حقيقة الإيمان، وأخذت من قوله تعالى: {ألا لله الدين الخالص} أن الذي لم يخلص بل اختلط به رياء أو إصرار على معصية معلومة محبطة من الكبائر فليس هو لله تعالى لأنه لم يخلص، وما لم يخلص لم يرضه تعالى، ومن قوله تعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة}(1) أن العمل إذا لم تصحبه وتتقدمه العقيدة الصالحة والنية على الوجه الذي أمر الله تعالى به من الخلوص مع المحافظة على الصلاة التي هي المقصود بقوله تعالى: {وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة} التي هي المقصود بقوله تعالى: {ويؤتوا الزكاة} ثم قال تعالى بعد ذلك: {وذلك دين القيمة} يعني تعالى الدين القيم الذي قبله الله تعالى وأحبه وزكاه ورضيه، فإن لم يكن كذلك بل فيه رياء أو إصرار على فعل قبيح أو ترك واجب لقوله تعالى: {ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة} فشرط تعالى صحة العبادة بالمحافظة على هذين الركنين الصلاة والزكاة، وقال تعالى بعد ذلك: {وذلك دين القيمة} مع قوله تعالى: {ورضيت لكم الإسلام دينا} مع قوله تعالى: {إن الدين عند الله الإسلام} فلو لم يخلص ويسلم المحبط لم يرضه تعالى من العبد ويجعله الدين كله بقوله تعالى: {إن الدين عن الله الإسلام} وبقوله تعالى: {ورضيت لكم الإسلام دينا} إذا عرفت هذا علمت أن الإسلام الكامل هو الإيمان الكامل لا فرق بينهما لما ذكرنا ولقوله تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون}.

فأخبر تعالى أنه لم يخلقهم إلا للعبادة وقال: {ورضيت لكم الإسلام دينا} فالإسلام هو العبادة لأنه لا يرضى لهم تعالى إلا فعل ما خلقهم تعالى لأجله، فلو لم يكن الإسلام الكامل جميع أنواع العبادة الكاملة لم يرضه تعالى لهم، حيث لم يفعلوا به وحده ما خلقهم تعالى لأجله من العبادة، وجميع أنواع العبادة هو الإيمان الكامل من قول وفعل واعتقاد واجتناب محرم من الثلاثة.

Page 212