435

Al-Badr al-Munīr fī maʿrifat Allāh al-ʿAlī al-Kabīr

البدر المنير في معرفة الله العلي الكبير

وأما قوله تعالى: {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة} فإن إذ في اللغة لما مضى لا للمستقبل، وإن كانت للتعليل والاستقبال [109] تدخل في ذلك، فقد دل تعالى على عدم استمراره بقوله تعالى: {إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه}(1) فأخبر الله تعالى بعدم العصمة لأولئك المبايعين إلا من عصم بدليل غيرها بإخباره تعالى بجواز النكث عليهم بقوله تعالى: {فمن نكث فإنما ينكث على نفسه}، وبقوله تعالى: {فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين}(2)، وقال تعالى: {وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفئن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين}(3) وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((ترفع لي يوم القيامة ريح سوداء تخطف من دوني أقواما ممن صحبتهم وصحبوني من عظماء أصحابي من المهاجرين والأنصار فأقول: يا رب أصحابي، فيقول: يا أحمد إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، إنهم ارتدوا على أعقابهم القهقرا))(4) أورد الحديث علي أمير المؤمنين عليه السلام وما يمنعهم فقد تقدموا قطعا على من هو مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم أعني علي عليه السلام كهارون مع موسى إلا النبوة، قال له -صلى الله عليه وآله وسلم -أعني عليا عليه السلام-: ((أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي))(5) وهذا الحديث صريح في الإمامة والخلافة كخلافة هارون عليه السلام له بإمامة من علي بغير نبوة، وهو مجمع عليه بين الأمة، متواتر، فما يمنعهم سبب تقدمهم والأمر كذلك أن يكونوا كسامرية موسى عليه السلام إلا في عبادة غير الله تعالى من العجل أو غيره من الأصنام إذ لا فرق حينئذ.

قالوا: أبو بكر صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الغار.

قلنا: الصحبة إذا لم يكن اتباعا في الحياة وبعدها ليست بمدح فضلا عن العصمة، وقد سمى الله تعالى الكافر صاحبا في قوله تعالى: {قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا}(1)، والصاحب القائل مؤمنا لقوله تعالى حاكيا عنه ما قال مقابلا به كفر الكافر بعد ذلك: {لكنا هو الله ربي ولا أشرك بربي أحدا}(2) مع أنه -أعني أبا بكر- حزن وهما في الغار فقال له صلى الله عليه وآله وسلم ما حكى الله تعالى عنه أنه قال له: {إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا}(3) ثم قال تعالى بعد ذلك: {فأنزل الله سكينته عليه} يعني على رسوله صلى الله عليه وآله وسلم بالإجماع، ولم يقل تعالى عليهما، كما قال تعالى في المؤمنين يوم حنين مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: {فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين}(4) فأشركهم تعالى مع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في السكينة، {والله عليم حكيم}.

Page 199