251

Al-Badr al-Munīr fī maʿrifat Allāh al-ʿAlī al-Kabīr

البدر المنير في معرفة الله العلي الكبير

وقولنا: إذا دخلوا الحرم غير مستجيرين لضعفهم، فإن دخلوا مستجيرين وجب ترك قتالهم حتى يقاتلوكم فيه حتى يخرجوا لقوله تعالى: {ومن دخله كان آمنا}(1) ولقوله تعالى: {ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه}(2) فإن قاتلوا فيه قتلوا ولو دخلوا مستجيرين لقوله تعالى: {حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين}(3) وإن دخلوا ليتولوه، أو البغاة ليستولوا عليه أو يتولوه قوتلوا فيه لقوله تعالى: {وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون}(4) فإن دخلوه للتقرب فيه وهم كفار أخرجوا منه من دون أن يقاتلوا إلا أن يقاتلوا حتى يصلوا الحل لقوله تعالى: {إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا}(5) فيدافعون عن قرب البيت الحرام وهو مداخل المواقيت المضروبة حيث تعدوها قاصدين بمجاوزتها دخول الحرم المحرم بغير القتل إلا أن يقاتلوا ويجارون حتى يصلوا مأمنهم إذا دخلوا مستجيرين لقوله تعالى: {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون} [67أ] وكذلك من استجار بالله تعالى أو بالبيت الحرام من المشركين والبغاة للضعفة أو لم يقاتلوا، ولا يستولوه، ولا تولوه، ولا أبوا الخروج منه حيث كانوا كفارا أجيروا لأنهم بذلك قد استجاروا بالله تعالى وبرسوله وبالمسلمين معا، وكذلك لو استجاروا بالله تعالى وحده أجيروا كذلك بالأولى ولقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((فعائذ الله أحق أن يعاذ))(1) ولقوله تعالى في المسجد الحرام: {ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه}(2) ولقوله تعالى في شأن المسجد الحرام وغيره من معالم الدين: {ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب}(3) وكذلك سائر المساجد ومشاهد الأنبياء والأئمة والصالحين والمؤمنين، وذلك -أعني الإجارة- لمن استجار بهذه الأشياء حتى يسمع كلام الله فيوعظ به من كافر أو باغ فإنه يجار حتى يسمع كلام الله تعالى، فإن امتثل ما وجب عليه وله من الإسلام وأحكامه وإلا أخرج إن كان كافرا من المساجد، نص في المسجد الحرام بقوله تعالى في المسجد الحرام: {إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا} وفيه وفي غيره نص وقياس عليه في غيره قوله تعالى: {ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم}(4) وقوله تعالى: {ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر}(5) لا المشاهد إلا أن تكون مساجد، ثم يرد إلى مأمنه بعد الإخراج والإسماع فلم يمتثل وإن كان باغيا وجب تركه حيث لا مضرة منه ولا فواحش فساد من زنا، وشرب خمر ونحو ذلك؛ وإنما هو الإصرار على ما مضى وعزمه على الفواحش إذا خرج فيترك وجوبا حتى يخرج إلا أن يخشى فوت صاحب الحق أخرج قهرا، فإذا خرج أو أخرج رد إلى مأمنه بعد تعريفه ما له وعليه وذلك لقوله تعالى: {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه} وللبغاة في هذه الحالة ذلك الحكم؛ وإنما يجب إذا استجار الكفار أو البغاة إجارتهم كذلك إذا استجاروا جاهدين إلى الأحكام الشرعية أجيروا حتى يعلموها بإسماعهم إياها من الكتاب والسنة واستجارتهم تمردا وهربا عن الحق مع العلم بأنهم يقدرون عليه لم يجاروا ولا حكم لاستجارتهم مع ذلك لقوله تعالى: {ذلك بأنهم قوم لا يعلمون}(1) فالمفهوم منها أنهم لا يجارون مع علمهم بالأحكام الشرعية، فإن أجارهم ذلك مسلم قبل علمه بالنهي من إمام الحق جاز له ذلك إذا كان أمانة لهم دون سنة ووجب الاحترام ما لم يجرهم على منع حق لآدمي أو لله مالي كالخمس فلا تنفذ إجارته في ذلك وفي غير ذلك؛ فإن أجارهم بعد علمه بالنهي وجهلهم له ردوا مأمنهم فورا ووجب احترامهم حتى يرجعوا، وإن علم المؤمن والمؤمنين بالنهي عن التأمين وقد عرف المؤمن الأحكام الشرعية ولم يسلم فلا أمان إلا أن يشأ الإمام لمصلحة، وهذا [67ب] التفصيل لقوله تعالى: {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون}(2) ولقوله -صلى الله عليه وآله وسلم: ((وأي رجل دخل من أقصاكم وأدناكم -أشار إلى رجل من المشركين- فأقبل إليه بإشارته فله الأمان حتى يسمع كلام الله، فإن قبل فأخوكم وإن أبى فردوه إلى مأمنه......الخبر))(3) وهذا إجماع، ولا نعلم قائلا بخلاف ذلك.

Page 335