وصلت محطة مصر لحظة غروب الشمس، العمارات والأبنية الباهتة قابعة تحت سماء رمادية، الدخان مثل الشبورة، أسير وحدي وسط زحام المحطة، حاملة الحقيبتين. ثوبي من الصوف الرخيص من فوقه بلوفر باهت ينفذ منه هواء بارد. وأتلفت ورائي؛ أخشى أن يتبعني الرجل الذي كان في القطار. البوابة الضخمة، ميدان باب الحديد، سقطت في خضم متلاطم من البشر، دوامة تدور فيها السيارات والترامات والموتوسيكلات، أثبت قدمي في الأرض الأسفلت، أنظر في جميع الاتجاهات، ألقي نفسي في البحر دون أن أعرف السباحة، أجتاز الميدان، كادت تدهسني سيارة، امتدت بعض الأيادي وانتشلتني.
كان هناك عدد من سيارات الأجرة التاكسي، المسافرون استولوا عليها، لم يبق إلا تاكسي واحد قديم بدون رفرف، انقض عليه رجل طويل. بدأت الدنيا تظلم وأنوار المصابيح تضاء، قررت السير على قدمي حتى بيت طنط هانم، اخترت امرأة عجوز، ملامحها توحي بالطيبة، سألتها عن شارع الضاهر، وصفت لي الطريق وهي تشير بإصبعها: شايفة الشارع اللي هناك، ده شارع الفجالة، امشي فيه على طول مع شريط الترامواي تلاقي نفسك في شارع الضاهر.
المرة الأولى أمشي في شارع الفجالة، شارع المكتبات، من وراء نوافذ المحلات الزجاجية أرى الكتب معروضة، مئات الكتب والعناوين وأسماء المؤلفين، التقطت اسم طه حسين.
عند تقاطع شارع الفجالة مع شارع الضاهر مبنى كبير مكتوب عليه: «مدرسة الفنون الطرزية للبنات». رأيت بنتا من عمري تحمل حقيبة المدرسة تمشي وحدها، تدب فوق أسفلت الشارع بحذاء جلدي قوي، خطوتها واثقة شجاعة، خجلت من نفسي، أتكون هذه الفتاة أشجع مني؟! خجلت من حذائي القديم يغطيه تراب الشارع في منوف، لم تكن الشوارع في منوف مرصوفة بالأسفلت، خبطت قدمي في الأرض، نفضت التراب عن حذائي، شددت قامتي الطويلة، سرت بخطوة قوية أدب على الأسفلت.
شارع الضاهر يتألق نظيفا لامعا تحت الأضواء، العمارات على الجانبين جديدة تبرق كأنما بنيت بالأحجار الكريمة، أبوابها شفافة من الزجاج، لها أعمدة عالية رخامية. كنت أرى هذه الأبواب الشفافة في الحلم. لافتة كبيرة فوق الباب مكتوب عليها المدرسة الثانوية للبنات، أدخل من الباب أخرج حاملة الشهادة النهائية «التوجيهية»، أدخل بها إلى الجامعة، كلمة «الجامعة» تجعل قلبي يدق، لم أكن رأيت الجامعة بعد، سمعت الكلمة، كلية الآداب في الجامعة، أتخرج أستاذة كبيرة، يضعون كتبي في نوافذ المحلات في شارع الفجالة.
شارع الضاهر كان يرمقني بعيون مملوءة بالفرح، يمتد أمامي، تحت أقدامي، أمشي فوقه، يرحب بي فخور بهذه الفتاة أستاذة المستقبل.
وصلت عمارة زوج خالتي، رأيت وجهه، تبدد الفرح، قابلتني طنط هانم، البرود العاطفي الموروث عن عائلة شكري بيه، أخذتني إلى الحمام لأخلع حذائي، رمقت الثقب في جوربي بنظرة متعالية، أجلستني في البانيو، أمسكت الليفة الخشنة راحت تدعك جسمي. شعرت بالمهانة داخل البانيو الأبيض اللامع، صحن ضخم من الكريستال أو اللؤلؤ، لم يكن في منوف بانيو، الطشت الكبير من النحاس نستحم فيه، أغرقتني طنط هانم في البانيو، ابتلعت الماء بالصابون بالمهانة، تصورت نفسي سعدية الخادمة، كانت تغرقها أمي في الطشت، تغسل لها شعرها بالجاز أو تحلقه بالموس.
لم تكن طنط هانم تشبه أمي، كانت سمراء البشرة، شعرها أسود غزير ، تستعرض على الضيوف جواهرها أو قطع الأثاث في غرفة الصالون، الغرفة الأخرى تسميها «الأنتريه»، كلمة فرنسية تعني «المدخل»، خالتي هانم تتباهى أمام الناس بأنها تعرف الفرنسية.
أراها جالسة مع الضيوف في غرفة الصالون، المقاعد المذهبة المطلية بالحرير تسميها «الأبيسون»، فستانها الحريري يكشف عن ركبتها، تضع الساق فوق الساق، تشعل سيجارة (لا تدخن حين تكون وحدها) تنادي على السفرجي: يا عم عثمان، هات لي «آن فير دو سيل فوبليه.»
عم عثمان يفهم هذه العبارة، يحضر لها كوب ماء، يتباهى هو أيضا أمام الضيوف أنه يعرف الفرنسية، معلوماته في اللغة الفرنسية مثل طنط هانم، كلمات لا تزيد على أصابع اليد الواحدة. «هند» الابنة الكبرى لطنط هانم، تصغرني قليلا، تبدو طفلة أنا أمها، غرفتها مليئة بالعرائس، سريرها لونه وردي، سيارة المدرسة (على شكل أوتوبيس أحمر)، تحملها كل صباح مع حقيبتها إلى المدرسة.
Unknown page