القسط الأول خمسة جنيهات، الأقساط كلها تنتهي بعد ستة وثلاثين شهرا.
أمي كانت مثل الزهرة، استعادت ضحكتها الطفولية، عاد البريق يكسو عينيها العسليتين، تقرأ شهادة نجاحي، صوتها يتألق بالفرح: مبروك يا نوال، يا دكتور نوال! - البركة فيكي يا ماما.
اندفعت كلمة «ماما» من بين شفتي مثل شحنة مكبوتة من الحب، التقاليد في عائلة أمي لا تسمح للحب أن يظهر، وإن كان حب الأم. تقبيل الأطفال يتوقف بعد سن الرضاع، تقاليد موروثة عن الأتراك، الطبقة العليا أو الوسطى، البرودة في المشاعر نوع من الرقي.
الأمومة كنت أراها في عيني أمي، جمرة نار مخبوءة داخل سلسلة حديدية، أفعل مثل أمي، أخفي مشاعري وراء لوح من الزجاج.
تسللت إلى البيت ذلك اليوم من أبريل 1955م، ورائي ثلاثة عمال من محل «شاهر» يحملون البوتاجاز، دخلوا على أطراف أصابعهم إلى المطبخ، وضعوه تحت النافذة إلى جوار «النملية» السلك، خرجوا على أطراف أصابعهم، شعاع شمس الأصيل يتسلل من بين جدران البيوت المتجاورة، ينفذ إلى المطبخ من بين قضبان النافذة الحديدية، يسقط فوق ظهر البوتاجاز بإرادة سماوية، سطحه أبيض لامع قادر على إشعاع الضوء.
دخلت أمي إلى المطبخ، اتسعت عيناها: من أين جاء هذا البوتاجاز؟ - هبط من السماء يا ماما.
في عينيها بريق الفرح الطفولي، كانت في طفولتها تحلم مثلي بيوم يختفي فيه وابور الجاز، رأت مثلي البوتاجاز في المحلات والدكاكين، يشتعل بلهب أزرق صاف، شكة واحدة من عود الكبريت، دون إبرة تسليك، لا دخان لا هباب، ترمق بعينيها الثمن المعلق فوق ظهره، تتنهد وتمضي في طريقها.
كنت أريد أن أحوطها بذراعي، أضع رأسي فوق صدرها وأبكي، أطلق سراح الدموع المكبوتة منذ ولدت، كانت هي الأخرى تريد أن تحوطني بذراعيها، تطلق سراح أمومتها الحبيسة. وقفت أمامي وأنا وقفت، عاجزتان عن العناق، عاجزتان عن تبادل قبلة واحدة، واقفتان ... بيننا مسافة من الهواء لا تزيد على طول الإصبع، كانت مثل البحر الواسع أو ألف سنة من الزمان لا يمكن اجتيازها.
عاشت أمي بعد ذلك اليوم أربعة وثلاثين شهرا، ماتت قبل أن أسدد ثمن الأقساط بشهرين اثنين. •••
عبد المقصود أفندي لم يكن العريس الأخير، جاء بعده آخرون، الواحد منهم لم يكن يعود بعد أن أقدم له القهوة، لم تنقلب الصينية بعد ذلك الانقلاب الأول، شيء آخر يحدث، صوت الطاحونة، نقيق الضفادع في الحقل أو صرير الصراصير، نعيق بومة فوق الشجرة.
Unknown page