337

الاربعون حديثا :341

ومن هذا المنطلق يرى أرباب المعارف العرفاء ، وأصحاب العلوم الحقيقية يأتي تفسير العلم الحقيقي ، أن تطهير النفوس ، وإخلاص النية ، وتصحيح الغايات والأهداف في تحصيل العلم وخاصة في دراسة المعارف الحقة والعلوم الشرعية ، هو الشرط الأول في ذلك ، ويؤكدونه على المتعلمين ، لأنه مع تصفية النفس ، وتجليتها ، يشتد ارتباطها بالمبادئ العالية . وعندما يقول الرب جل جلاله في الآية الكريمة «اتقوا الله ويعلمكم الله» (1) فلأجل أن التقوى تزكي النفس وتربطها بعالم الغيب المقدس ثم يكون التعليم الالهي والإلقاء الرحماني ، لأن لبخل في المبادئ العالية ، محال ، وأن فيضها يكون واجبا ، إذ أن واجب الوجود بالذات ، واجب من جميع الجهات والحيثيات .

وإذا كان الانسان لأجل تعمير نفسه ومأكله ومشربه وأنانيته النفسانية ، منصرفا إلى تحصيل العلوم ، غدا الهدف غير إلهي ، وأصبحت الإلقاءات شيطانية .

ومن المقاييس التي لا تتمكن من التفرقة، بين الإلقاءات الرحمانية ، والإلقاءات الشيطانية ، والتي لم يذكرها أهل المعارف حسب ما أظن ، هو ما ذكرناه ، والذي يدركه الانسان بنفسه في كثير من الأحيان . فإن ما يلقى الى النفس المعتمة ، اللانقية ، يكون من الجهل المركب الذي هو مرض نفسي لا دواء له ، وشوك في طريق وصولهم إلى الحقيقة . لأن المقياس في العلم ، ليس هو تجميع المفاهيم الكلية ، والاصطلاحات العلمية ، بل المقصود منه ، رفع الحجب عن عين البصيرة للنفس ، وفتح باب معرفة الله ، حيث يكون العلم الحقيقي هو مصباح هداية الملكوت ، والصراط المستقيم ، للتقرب إلى الحق ، ودار كرامته . وكل ما عدا ذلك ، وإن كان في عالم الملك ، وقبل إزاحة حجب الطبيعة الدنيا فهو في شكل العلم وصورته ، وإن أصحابه لدى أهل الحوار والجدال ، يعدون من العلماء والعرفاء والفقهاء . ولكنه بعد تساقط الحجب عن وجه القلب ، وكشف ستار الملكوت ، والاستفاقة من السبات العميق في عالم الملك والطبيعة الدنيا يتبين بأن سمك هذا الحجاب وغلظته أكثر من كل الحجب ، وإن هذه العلوم المقررة باسرها ، من الحجب الغليظة الملكوتية التي تكون بين حجاب وآخر مسافة أميال وفراسخ وقد كنا من الغافلين عنه « الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا» (2) ويتبين بإننا جميعا كيف سنكون ؟ .

وهنا العار والفضيحة ، إذ نتعلم خمسينعاما أو أكثر أو أقل ، ونزعم بأن أبحاثنا لله سبحانه ، ولكننا نكون من المخطئين أيضا ومن الغافلين عن كيدالشيطان ومكر النفس ، لأن الاربعون حديثا :342

Page 341