336

الاربعون حديثا :340

ونحن نذكر في شرح هذا الحديث ما يناسب بيانه وشرحه ، ضمن فصول عديدة. وعلى الله التكلان .

فصل:

اعلم أنه قد تقرر في محله بأن مقدمات القياس بالنسبة إلى نتائجه ، والأدلة والبراهين في كل علم بالنسبة إلى مدلولاتها والمبرهن عليه ، تكون بمثابة المعدات ، فليست مستقلة بصورة تامة ، تتولد عنها الدلالات وتكون منتجة من دون ارتباطها بشيء آخر ولا غريبة عنها نهائيا ومن دون ارتباط تكون عقيمة وغير منتجة . وقد اختلف في المقام . الطائفتان المجبرة والمفوضة ، وحاد كلاهما عن طريق الاعتدال ، واختار كل منهما جانبا يتناسب مع وجهة نظره ومذهبه . فقال أحدهما : إن المقدمات مستقلة ، وإنه لو أغلقت أبواب عالم الغيب ، وانقطع الفيض من عالم الملكوت ، استطاع الانسان أن ينتهي من المقدمات ذاتها إلى النتائج .وقال الآخر منهما أن المقدمات لا علاقة لها كليا مع النتائج ولكن العادة قد جرت على إلقاء النتائج في ذهن الإنسان بعد ترتيب المقدمات ، وأن المقدمات ترتبط بالنتائج شكليا من دون أن يكون بينهما إرتباط حقيقة .

وكل واحد من هذين الرأيين مع منطلقاته من المذهبين المجبرة والمفوضة باطل لدى أهل المعارف الحقة والعلوم الحقيقية .

والحق وفاقا لأهله هو : أن المقدمات ذات دور إعدادي للنفس ، لتلقي العلوم المفاضة عليها من المبادئ العالية الغيبية .

ونحن لسنا هنا بصدد شرح هذا المذهب وإبطال المسلكين المذكورين ، لأنه يوجب الخروج عن الهدف المبتغى ، وإنما ذكرنا ذلك استطرادا لشرح موضوع آخر هو :

إننا بعدما ذكرنا أن إلقاء العلوم والمعارف من العوالم الغيبية ، ومن نتائج ارتباط النفس بها وتقبلها للعلوم كما ورد في الحديث الشريف : «ليس العلم بكثرة التعليم بل هو نور يقذفه الله في قلب من يشاء» (1) فكل نفس ذات ارتباط مع الملكوت الأعلى وعالم الملائكة المقربين ، وتكون الإلقاءات إليها من نوع الفيوضات الملكية ، والعلوم التي تفاض عليها هي من العلوم الحقيقية ومن عالم الملائكة . وكل نفس منشدة إلى عالم الملكوت السفلي ، وعالم الجن والشيطان والنفوس الخبيثة ، كانت الإلقاءات اليها شيطانية ومن قبيل الجهل المركب ، والحجب المظلمة .

Page 340