ولست أدري لم لم يعجبني هذا الكتاب مع أن المعنى الذي أراد إليه الكاتب قيم خطير عظيم الشأن، وأكبر الظن أن الأداء هو الذي لم يعجبني، وأن الحوادث التي شهدناها في الحرب الأخيرة كانت أعظم نكرا وأشد هولا، وأصدق تصويرا لقوة الإنسان وضعفه، ولإيثار الإنسان وأثرته، من هذا الكلام الذي لا يكاد يتجاوز في وصفه وتصويره أيسر ما تكتبه الصحف حين تقص الأخبار.
والمهم هو أن هذا الكتاب لم يشعرني حين قرأته بأني كنت أقرأ كتابا رائعا يصور الحياة الأوروبية الرائعة أثناء الحرب تصويرا يلائمها في الروعة، وإنما أشعرني بأني كنت أقرأ كتابا فاترا يريد أن يصور أشياء لا يلائمها الفتور بحال من الأحوال.
لم أقرأ إذن كثيرا من الكتب الفرنسية أثناء إقامتي في فرنسا، وإنما قرأت كتبا إيطالية وأمريكية وروسية، وأعود فأقول: إني لم أكن أعمد إلى هذه القراءة إلا وقتا قصيرا حين يقبل الليل وبعد أن ننصرف عن العشاء ونخرج للرياضة وقتا يقصر أو يطول، ثم نعود فنجتمع إلى قارئ منا يعيننا على انتظار النوم الذي لا يحب أن يطول انتظاره في القرى وإن أحب أن يطول انتظاره في المدن وبنوع خاص في باريس.
وقد عرفت أثناء هذه القراءة القصيرة كاتبا أمريكيا أسود، كنت قد سمعت به في باريس في العام الماضي دون أن أقرأ له شيئا، ثم قرأت له بعد عودتي إلى القاهرة في مجلة «العصور الحديثة» التي يصدرها جان بول سارتر قصة قصيرة رضيت عنها كل الرضا، ثم أتيح لي أثناء هذا الصيف أن أقرأ له كتابين قد كثر عنهما الحديث في فرنسا، نشر أحدهما متفرقا في مجلة العصور الحديثة وعنوانه: «غلام أسود»
Black Boy
ونشر الآخر جملة وعنوانه «ابن البلد»
Native son ، وله كتاب ثالث قد نشر في فرنسا ولم أقرأه بعد، وأرجو أن تتاح لي قراءته قبل أن أعود، وعنوانه: «أبناء العم توم».
وهذا الكاتب الأمريكي الأسود ريتشارد رايت الذي أريد أن أجعل فنه موضوعا لهذا الحديث.
لم يكد ريتشارد رايت يبلغ الأربعين من عمره وهو على ذلك يقرأ في أوروبا وأمريكا جميعا، وأرجو أن يقرأ في الشرق العربي بعد حين؛ فما أعرف أن الشرق العربي يحتاج إلى قراءة كما يحتاج إلى قراءة آثار ريتشارد رايت.
أما كتابه الأول «غلام أسود» فليس إلا ترجمة لحياته منذ عرف نفسه إلى أن أتم السابعة عشرة من عمره، وهو قد عرف نفسه صبيا لا يكاد يميز الأشياء، يعيش بين أب أسود وأم سوداء، ويعيش معه أخ أصغر منه سنا ، والحياة في هذه الأسرة ضيقة ضئيلة ذليلة، ثم لا تلبث أن تزداد ضيقا وضآلة وذلا؛ فقد هجر الأب زوجه وابنيه، وعاش مع امرأة أخرى سوداء، وترك هذه الأم البائسة تسعى على رزقها ورزق ابنيها، تجد في ذلك ما شاء البؤس والذل وفساد النظام الاجتماعي واستعلاء البيض على السود أن تجد من الجهد والمشقة والعناء.
Unknown page