Al-juzʾ al-awwal
الجزء الأول
ولما رأى الأتراك اقدام المعتز على قتل رؤوسائهم وإعمال الحيلة في فنائهم، وأنه قد اصطنع المغاربة والفراعنة دونهم صاروا إليه بأجمعهم، وذلك لأربع بقين من رجب سنة خمس وخمسين ومائتين وجعلوا يقرعونه بذنوبه ويخوفونه، وأحضروا القضاة، والفقهاء وطالبوه بالأموال، وكان المدبر لذلك صالح بن وصيف مع قواد الأتراك، فلج وأنكر أن يكون قبله شيء من المال، فلما حصل المعتز في أيديهم بعثوا إلى مدينة السلام في محمد بن الواثق الملقب بالمهتدي، وقد كان المعتزل مفاه إليها واعتقله فيها، فأتي به في يوكم وليلة إلى سامراء فتلقاه الأولياء في الطريق، ودخل إلى الجوسق، وأجاب المعتز إلى الخلع على أن يعطوه الأمان على نفسه، وماله، وولده، وأبى محمد بن الواثق أن يقعد على سرير الملك، أو تقبل البيعة حتى يرى المعتز ويسمع كلامه، فأتي بالمعتز وعليه قميص مدنس، وعلى رأسه منديل، فلما رأه محمد بن الواثق وثب إليه فعانقه وجلسا معا على السرير، فقال له محمد بن الواثق: يا أخي، ما هذا الأمر؟
قال المعتز:أمر لا أطيقه ولا أقوم به، ولا أصلح له،فأراده المهتدي على أن يتوسط أمره، ويصلح الحال بينه وبين الأتراك.
فقال المعتز: لا حاجة لي فيها، ولا يرضوني لها.
قال المهتدي: فأنا في حل من بيعتك؟
قال: أنت في حل وسعة، فلما جعله في حل من بيعته، حول وجهه عنه وأقيم عن حضرته، ورد إلى محبسه، ثم قتل في محبسه بعد أن خلع بستة أيام، وقيل: إنه منع في محبسه من الطعام والشراب فمات عند قطع المواد عنه، وقيل: إنه حقن بالماء الحار المغلي، وقيل: أدخل حماما محميا ومنع الخروج منه، وترك في الحمام حتى فاضت نفسه، وقيل: بل سقي شربة باردة بعد الحمام فنثرت الكبد فخمد من فوره، وذلك ليومين خلوا من شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين.
Page 65