457

============================================================

يهجو بذلك جريرا ويعيره بأنه من بني يربوع، ولأن النافقاء والقاصعاء جحر اليربوع. وتنفق: يعني تخرج من النافقاء، وقصعت: من القاصعاء.

والمنافق على وزن "مفاعل"، و"المفاعلة" لا تكون إلا بين اثنين. يقال: نا فقني ونافقته ، إذا أعطاك بلسانه خلاف ما في قلبه، وأعطيته بلسانك خلاف ما في قلبك. ومثله المخادعة. قال الله عز وجل (يخادعون الله وهو خادعهم [النساء: 142]. ولا يكاذ يجيء "مفاعل" إلا بين اثنين إلا في أحرف. قال أبوا عبيدة في قول الله (قاتلهم الله) [التوبة: 30، المنافقون: 4]، أي قتلهم الله.

قال: وقد جاء هذا، ونظيره: عافاك الله، معناه: أعفاك الله، وهو من الله عز وجل وحده(1). ويقال: عاقب فلان فلانا، وشارفت بمعنى: أشرفت، وباعدت بمعنى: أبعدت، وجاوزت بمعنى: جزت، وعاليت رحلي على الناقة، أي أعليت. حكى هذه الأحرف في "فاعلت" بمعنى "فعلت". وإنما سمي "منافقا"، امفاعلا"، لأنه قال بلسانه، ولم يؤمن بقلبه . وهكذا كانت سبيل المنافقين مع ر سول الله صلى الله عليه وآله، فقبلهم على ذلك. وقد دله الله عز وجل على ما في قلوبهم فقال {إذا جاءك المنافقون إلى قوله لكاذبون [المنافقون:1]، وقال (يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم [الفتح: 11]. وكأن الفعل منهم قولا بالسان خلاف ما في قلوبهم، وقابلهم(2) رسول الله صلى الله عليه وآله بمثل فعلهم، لأنه قبل ما قالوه بألسنتهم، ولم يكشف أمرهم، وعلم بقلبه أن الأمر على خلاف ما قالوه، فسموا "منافقين" ، أي "مفاعلين".

وكذلك معنى قوله يخادعون الله وهو خادعهم . ومثله (ومكروا ومكر اله) [آل عمران: 54]، والله عز وجل لا يخدع أحدا، ولا يمكر به. ولكن لما كان الفعل منهم نفاقا وخديعة ومكرا، سمى مقابلتهم بفعلهم(3) بمثل ذلك الاسم وسماه "مفاعلة" . ومثله {إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون [هود: 38] حكاية عن نوح عليه السلام، ولم يكن نوح يسخر، ولكن لما كان فعلهم (1) مجاز القرآن 1/ 256.

(2) في ب: وقاتلهم.

(3) في ب: لفعلهم.

Page 454