172

إذا صدق الكاذب في أمر يتعلق به وبعمله ، أو بمصلحة الامة ، فإن الله تعالى يبين له ذلك ومنه ما كان ، من بعض أزواجه ، الذى نزل فيه أول سورة التحريم ، وعلم من قوله تعالى فيها " قالت من أنبأك هذا ؟ ؟ قال نبأنى العليم الخبير " أي أنه لم يعلم المكيدة بملكة العصمة ، بل بوحى الله تعالى بعد وقوعها . ومنه قوله تعالى فيما كان كذب عليه بعض المنافقين الذين اعتذروا عن الخروج معه (صلى الله عليه وسلم) إلى تبوك ، " عفا الله عنك ، لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين " . وما نقله الزرقاني من رأيه : أن ما روى عن الصحابي مما لا مجال للرأى فيه موقوفا عليه ، فإن له حكم المرفوع ، (وإن احتمل أخذ الصحابي له عن أهل الكتاب تحسينا للظن به) فهو رأى باطل مردود عليه ، لا نتخذه قاعدة وأصلا في ديننا وما علله به ظاهر البطلان ، إذ لا محل هنا لتحسين الظن ، ولا لمقابله ، فمن المعتاد المعهود من طباع البشر أن يصدقوا كل خبر لا يظهر لهم دليل على تهمة قائله فيه ولا على بطلانه في نفسه ، فإذا صدق بعض الصحابة كعب الاحبار في بعض مفترياته التى كان يوهمهم أنه أخذها من التوراة أو غيرها من كتب أنبياء بنى إسرائيل وهو من أحبارهم ، أو في غير ذلك ، فلا يستلزم هذا إساءة الظن فيهم ، وإذا كانت هذه الخرافات الاسرائيلية مما يصد عن الاسلام ويجرى الالسنة والاقلام بالطعن فيه ، مع العلم بأنها مروية عمن لا تعد أقوالهم ولا آراؤهم نصوصا دينية ، ولا أدلة شرعية ، وإن كانوا من أفراد علماء السلف - كما هو واقع بالفعل - فكيف يكون موقفنا مع هؤلاء الطاعنين فيه من الملاحدة ودعاة الاديان المعادين للاسلام ، والمسلمين من زنادقة المسلمين أيضا إذا قلنا إن كل تلك الترهات والخرافات الاسرائيلية إذا كان بعض رواتها من الصحابة فإنها تنتظم في سلك الاحاديث المرفوعة إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) ويجب الايمان بها ؟ ألا إن هذا باب واسع في الطعن في الاسلام والصد عنه ، لو فتحه علينا من هو أكبر من الزرقاني من مقلدة القرون الوسطى المظلمة لاغلقناه في وجهه وقلنا له ، إن علماء الاصول قد اتفقوا على أن طروء الاحتمال في المرفوع من وقائع الاحوال ، يكسوها

--- [ 176 ]

Page 175