نطقت بالعبارة الأخيرة بلهجة تنم عن الإشفاق عليه من العواقب، ولكنه أجاب في جنون الغضب واليأس قائلا: سأحطم رأس القواد الوضيع.
وتساءلت وعيناها تتفرسان في وجهه: أيستطيع الحلو أن يقتل؟!
ولم يغب الجواب عن فراستها، ولكنها أملت أن يثير من حوله فضيحة تسوقه إلى يد القانون، فتنتقم منه وتخلص من أسره. وارتاحت إلى أفكاره بلا تدبر أو نقد، بيد أنها لم تخل من رغبة صادقة في ألا يصيب الحلو شر فادح من مخاطرته، وتمنت على الله أن ينتقم لها من غريمها دون أن يذهب ضحية لفعله! .. ولذلك قالت تحذره: لا تبلغن بك الرغبة في الانتقام منه حد الاستهانة بحياتك! اضربه .. افضحه .. جره إلى القسم فيكون فيه القضاء عليه وعلى جرائمه.
ولكنه لم يكن يصغي إليها، وكان يقول وكأنه كان يخاطب نفسه: لا يصح أن نشقى بلا ثمن .. انتهت حميدة، وانتهى عباس، فكيف يروح القواد آمنا ضاحكا من تعاستنا؟ لأدقن عنقه ولأكتمن أنفاسه، (ثم علا صوته موجها إليها الخطاب): وأنت يا حميدة، ماذا تصنعين بحياتك إذا نحيت عن سبيلك هذا الشيطان؟
وخافت على نفسها ما عسى أن يؤدي إليه هذا السؤال، وأشفقت من أن يتطرق إلى مسارب نفسه ضعفه القديم، فقالت بحزم وهدوء: انقطع ما بيني وبين العالم القديم، ولكني سأبيع ما عندي من حلي وأجد لنفسي عملا شريفا في مكان بعيد.
وصمت صمتا طويلا متفكرا محزونا، فعانت في صمته من القلق ألوانا، حتى طامن من رأسه، وقال بصوت لا يكاد يسمع: لا يستطيع قلبي أن يعفو .. لا يستطيع، لا يستطيع .. ولكن لا تعجلي بالاختفاء مرة أخرى حتى نرى كيف ينتهي هذا الأمر.
ووجدت في لهجته ما ينذر بالسماحة والعفو والاستسلام، فلمعت عيناها في حذر وقلق، وآثرت في أعماق قلبها الثائرة أن يهلك هو وغريمها على أن يعود إليها فاتحا ذراعيه، بيد أنها لا تستطيع أن تفصح له عما يدور بخلدها، ولن يشق عليها الاختفاء إذا شاءته، وإذا تم لها الانتقام الذي تتلهف عليه فما أيسر أن تشد الرحال إلى الإسكندرية التي حدثها عنها فرج إبراهيم كثيرا، وهناك تصفو لها الحياة وتطيب في حرية لا يحدها قيد، وفي أمن من المتطفلين؛ ولذلك لم تجد بأسا في أن تقول له بمثل لهجته الرقيقة : لك ما تشاء يا عباس.
وكان قلبه يعاني مرارة الشقاء والقنوط والتحفز للانتقام، ولكنه ما انفك ينبض بالحيرة والعطف.
33
كان يوم وداع وسرور، فدبت في قلوب الزقاق عاطفة واحدة؛ ذلك أن للسيد رضوان الحسيني منزلة رفيعة في القلوب جميعا على السواء. كان السيد قد استخار الله في أداء فريضة الحج هذا العام فأخاره، وعلم الجميع أنه يسافر عصر اليوم بمشيئة الرحمن إلى السويس في طريقه إلى الأراضي المقدسة. وامتلأ بيته بالمودعين من أصدقاء العمر وإخوان الصفاء .. وحفوا به في الحجرة القديمة الوديعة التي طالما أصغت جدرانها إلى سمرهم الورع اللطيف عاما بعد عام. واستفاض حديث الحج، وثارت ذكرياته، ولهجت بها الألسن في أركان الغرفة حول خط متموج من دخان البخور يتصاعد من المجمرة، ورووا نتفا من أخبار الحج شملت المعاصرين والغابرين، واستشهدوا بالكثير المأثور من الأحاديث الشريفة والأشعار الجميلة. ورتل ذو صوت رخيم بعض ما تيسر من آي الذكر الحكيم، ثم أنصتوا جميعا إلى فيض من كلام السيد رضوان أفصح به فؤاده عما يكنه من رقة وطيبة.
Bog aan la aqoon