483

وخامسها: لعلهم اتخذوها قبلة لصلواتهم وطاعاتهم ويسجدون إليها - لا لها -، كما أنا نسجد إلى القبلة - لا للقبلة -، ولما استمرت هذه الحالة، ظن جهال القوم أنه تجب عبادتها.

وسادسها: لعلهم كانوا من المجسمة، فاعتقدوا جواز حلول الرب فيها، فعبدوها على هذا التأويل.

فهذه هي الوجوه التي يمكن حمل مذهبهم عليها، حتى لا تصير بحيث يعلم بطلانها بالضرورة.

تنبيه

واعلم أن الحكيم هرمس العظيم - المحمود آثاره، المرضي أقواله وأفعاله، الذي يعد من الأنبياء الكبار، ويقال هو ادريس النبي عليه السلام كما مر - هو الذي وضع أسامي البروج والكواكب السيارة، ورتبها في بيوتها، وأثبت لها الشرف والوبال، والأوج والحضيض، والمناظرة بينها بالتثليث والتربيع والتسديس، والمقابلة والمقارنة، والرجعة والإقامة والإستقامة، وبين تأثير الكواكب.

وأما الأحكام المنسوبة إلى هذه الاتصالات، فغير مبرهن عليها عند الجميع، وللهند والعرب طريقة أخرى في الأحكام أخذوا من خواص الكواكب - لا من طبائعها - ورتبوها على الثوابت - لا على السيارات -.

وأما أصحاب الهياكل وأصحاب الأشخاص، فهم من فرق الصابئة، والفرق بينهما كما أشرنا إليه، وهو أن أصحاب الروحانيات، لما عرفوا أن لا بد للإنسان من متوسط، ولا بد للمتوسط من أن يرى فيتوجه إليه ويتعرف ويستفاد منه، فزعوا إلى الهياكل التي هي السيارات، وكانوا يسمونها أربابا وآلهة، والله تعالى رب الأرباب وإله الآلهة.

ومنهم من جعل الشمس إله الآلهة ورب الأرباب، وكانوا يتقربون إلى الهياكل تقربا إلى الروحانيات تقربا إلى الباري تعالى، لاعتقادهم بأن الهياكل أبدان الروحانيات، ونسبتها إلى الروحانيات نسبة أجسادنا إلى أرواحنا، فهم الأحياء الناطقون بحياة تلك الأرواح، ولا شك أن من تقرب إلى شخص فقد تقرب إلى روحه؛ ثم استخرجوا من عجائب الحيل المرتبة على عمل الكواكب، ما كان يقضي منه العجب، من الطلسمات والنيرنجأت وغيرها - من السحر والكهانة والتنجيم والتعزيم والخواتيم من الصور - وهذه كلها من علومهم.

وأما أصحاب الأشخاص فقالوا: إذا كان لا بد من متوسط يتوسل به، وشفيع يتشفع إليه، والروحانيات وإن كانت هي الوسائل، لكنا إذا لم نرها بالأبصار، ولم نخاطبها بالألسن، لم يتحقق التقرب إليها لا بهياكلها؛ ولكن الهياكل قد ترى في وقت ولا ترى في وقت - لطلوعها وأفولها، وظهورها بالليل وخفائها بالنهار - فلا بد لنا من صور وأشخاص موجودة قائمة منصوبة نصب أعيننا، نعكف عليها، ونتوسل بها إلى الهياكل، فنتقرب بها إلى الروحانيات، وبها إلى الباري، فنعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى.

فاتخذوا أصناما وأشخاصا على مثال الهياكل السبعة، كل شخص في مقابلة هيكل، وصنعوها من الأجساد السبعة المتطرقة من الحديد والنحاس وغيرهما، فراعوا في ذلك : الزمان، والوقت، واليوم، والساعة، والدرجة، والدقيقة، وجميع الأوصاف النجومية؛ فتقربوا إليه في يومه وساعته وتبخروا ببخوره، وتختموا بخاتمه، ولبسوا لباسه، وتضرعوا بدعائه، وعزموا بعزائمه، وسألوا حاجاتهم منه.

Bog aan la aqoon