219

وكثيرا ما يعمد هذا الحاذق الصنع فيما يفطن إليه من هذه الدقائق الكامنة إلى مطلعها والبسط في خلقها بالتوليد والاشتقاق، وبتداعي المعاني، حتى يبلغ بها في ذلك غاية المدى، وأنت تحسبه كذلك مبتكرا منشئا، وتظنه مستحدثا مبدعا، إذ هو يعلم كيف فتح عليه في كل هذا، ومن الذي ألهمه إياه!

وبعد، فإذا كان قد تعاظمك بادئ الرأي ما زعمت في صدر هذا الحديث من أن أرجح الكفتين قد تكون لهؤلاء الصاغة الماهرين، فلعلك الآن قد تطامنت واستراح إيمانك إلى هذا الكلام بعد إذ بان لك فضل هؤلاء أولا في الوقوع على تلك الدقائق المستورة المغمورة، ما يكاد يفطن إليها أحد، ولا يكاد يقدرها حتى هؤلاء الذين نبغت بها في بعض الأحيان سلائقهم عفوا بلا قصد ولا سابق تدبير، وثانيا في تجليتها على الناس في صورة واضحة الخلق، ترهف شعورهم، وتمتع أذواقهم، وتلذذ إحساسهم، وتبعث فيهم ما شاء الله من أريحية ومراح! •••

ولقد كان المرحوم محمد أفندي عثمان المغني مبدعا بارعا، وكان المرحوم عبده أفندي الحامولي صائغا رائعا، فكان أولهما ينشئ الصوت (الدور) إنشاء

2

ويلحنه على غير مثال، فيخرج قويا بديعا، لأن عثمان صائغ كما هو مبتكر، ثم يتلقفه عبده فما يزال يهلهله، ويسوي من صورته، ويمره على ذوقه الدقيق، فيعدل من أطرافه، ويشع فيه نفسه، ويولد فيه من النعم فنونا حتى يخرج أقوى وأبدع وأفتن، ثم يقال هذا الصوت لعثمان فيه لحن، ولعبده فيه لحن آخر!

ولشد ما كان ذلك يحفظ عثمان على صاحبه، ويغيظه أشد الغيظ، فيروح يغلظ له القول، ويباديه بما هو أقسى من العتب، ويتهمه بالسطو بصنعته، وعبده يطامن من هياجه، ويلطف من حده، ولا يزال به يدلله ويرفه عنه بالكلم الطيب حتى يسكن ويرضى، وكان الحامولي، رحمه الله، من دهاة الرجال!

وليس معنى هذا أن عبده لم يكن مبتكرا ألبتة، فإن له لابتكارات عجيبة؛ ولكنه كان صوغا أكثر مما كان منشئا.

وإذا كان فن التنغيم بآي القرآن الكريم قد بلغ اليوم أوجه، فلا شك في أن نهضته الحاضرة مدينة للمرحوم الشيخ حنفي برعي، فهو الذي استن هذه الطريقة الحديثة، فكانت جمهرة القارئين له فيها تبعا.

ولقد نشأ الشيخ أحمد ندا - أشهر القارئين اليوم - يلحن على أسلوب المرحوم الشيخ حنفي برعي، ويسلك نفس طريقته، ويقلده في إيقاعه، ويحاكيه في ترتيله، فإن الشيخ حنفي كان أعلى سنا وأقدم فنا، ثم ما زال الشيخ ندا يزيد بالتلوين والصياغة وقوة الافتنان، إلى أن استوت له شخصية خاصة، إن هو استقل بها عن شخصية أستاذه، فما برحت عليها مسحة منها إلى اليوم.

على أن واجب الإنصاف يقضي علينا في هذا المقام، أن نقرر أنه إذا كان أسلوب الترتيل الحديث من ابتكار الشيخ برعي، فإن الشيخ ندا بما ولد وما افتن قد زاد ثروة هذا الفن أضعافا، ولا أحسب أن تاريخ أهل التنغيم «مغنين ومنشدين وقارئين» أحصى لأحد ما أحصى لأحمد ندا من سلخ أكثر من خمسين عاما مرتلا قوي الصوت، رائع الإيقاع، تلوح له «الحركة» في عنان السماء، فلا ينخذل عنها، ولا يتزايل عزمه من دونها، بل إنه ليجمع نفسه، ويحلق إليها بصوته القوي المرن، فلا يزال بها حتى يصيدها، ويفرغها على السمع في لباقة وقوة إبداع!

Bog aan la aqoon