218

أما الصائغ الماهر، فلست أعني به بالضرورة ذلك الذي يسطو بفكرة غيره فيصوغها في لفظ آخر، أو يجلبها بنفسها في صورة أخرى، واقعة من الفن حيث وقعت، فهذا لص لا فضل له أبلغ من سراق الليل وعياري النهار.

وفي هذا المقام يحضرني كلام قرأته من زمان بعيد في شرح الشريشي على مقامات الحريري في السرقات الشعرية، وإني لأذكر أنه قسمها أو لعله نقل تقسيمها عن غيره، إلى عشرين: عشر محمودة مستجادة، وعشر مذمومة مستقبحة، وإني لأذكر أنه مثل لبعض الأولى بقول الشاعر:

من راقب الناس مات غما

وفاز باللذة الجسور

يسرق هذا من قول الآخر:

من راقب الناس لم يظفر بحاجته

وفاز بالطيبات الفاتك اللهج

أو ما في معنى ذلك، فلعلي نسيت بعض ألفاظ البيت، ولعله كما أوردته.

على أنني لا أعني ببراعة الصياغة هذا القدر! فإن الصائغ مهما يجود الصنعة ويحكم النسج، فإنما ينادي على نفسه بالسرقة، ويشهد على اختلاس ما ليس له، إذ المعنى ثابت للمبتدع مهما أسف في نظمه، وضعف في صياغته، بل لا أعني كذلك منزلة فوق هذه، وهي التي لا ينقل الصاغة الفكرة فيها نقلا، وإنما يلحظونها من بعض جوانبها أثناء صياغتهم لمعنى آخر وهذا ما يعبر عنه نقدة الشعر بقولهم: إن الشاعر في هذا قد لمح قول فلان، فإن المفتن مهما كان له في هذه الحال من الفضل في جودة النظم وقوة السبك، واستخدام فكرة غيره في أداء غرض آخر، لا يزال عيالا ولو بقدر ما، على صاحبه المبتدع، في حين لا يزال هذا النبع المستقى، والمثال المحتذى.

وإنما أعني بالبراعة في الصياغة ما هو أعلى وأدق من هذين الصنيعين، فالمفتن الصنع، حتى الذي لم يؤت ملكة الابتكار، ولم يرزق القوة على الإنشاء، ترى له من شدة الفطنة ودقة الحس ما يتلقط به المعنى الغريب، ويصيب به النبرة الدقيقة، ويشك به الفكرة الطريفة، في شعر أو نثر، أو موسيقى، أو تصوير أو نحت، أو غير أولئك من ألوان الفنون - إنه ليتلقطها بذهنه الدقيق إذ قد لمح فيها سانحا من طريف بديع، لعله لم يعهده من قبل ولم يعهده الناس، وإن كان شخصه لم يتبين بعد كل التبين، وصورته لم تستو حق الاستواء، فلا يزال به يحككه بحسه المرهف، ويمخضه في ذوقه الرحب مخضا، وكلما فعل ازداد في نفسه تبينا ووضوحا، وهكذا حتى يتمثل لها خلقا سويا، فسرعان ما يجلوه على الناس كما جلته عليه نفسه، ما يصل بينه وبين أصله عندهم نسب، ولا يرتبطه بمنجمه الذي خرج منه أي سبب، فلا يحسبونه، مهما جهد بهم من حد الذهن وترديد النظر إلا خلقا جديدا، أنشأته من القدم قدرة هذا المفتن الصناع!

Bog aan la aqoon