503

بإرادته أو قدرته كما وعدكم بالنصر لما أقبل المشركون ، جعل رماتكم يرشقونهم بالنبل ، وباقوكم يضربونهم بالسيف والرمح حتى انهزموا وأنتم بإثرهم ، فهذا وفاء بالوعد حتى تركتم الشرط وهو الصبر والاتقاء بانقسامكم قسمين ، بسبب ميل قسم إلى الغنيمة ، فالمائل إليها معرض عن القتال ، ضعيف فيه ، وغير المائل منكسر القلب ضعيفه بالانفراد عن الآخر ، ولا سيما أن غير المائل قليل ، وحتى للابتداء ، وجواب إذا يقدر بعد قوله ، ما تحبون ، هكذا منكم نصره أو انهزمتم أو امتحنكم أو جبنتم ، واعترض تقدير امتحنكم يجعل الابتلاء غاية للصرف المترتب على منع النصر ، ويضعف تقديره بأن لكم أمركم ، أو انقسم قسمين لقلة فائدة ذلك ، ولأنه يغنى عنه قوله D ، منكم من يريد الخ ، وإن أخرجناها عن الشرط وجررناها بحتى كان المعنى تحسونهم إلى وقت فشكلم ، أو صدقكم وعده إلى وقت فشلكم ، أو دام ذلك إلى وقت فشلكم ، وتعلق بتحس أو صوتكم { وتنازعتم فى الأمر } أمر الحرب ، أو أمره A ، فمن قائلين ، ما مقامنا هنا وقد انهزم المشركون ، هلموا نعم ، وهم الأكثر ، ومن قائلين ، لا تخالف موضعا أمرنا A به ، وهم أمير المركز ، عبد الله بن جبير ونفر دون العشرة ، قتلوا رضى الله عنهم ، والباقون الأكثر عصوا ، وهم المراد بقوله { وعصيتم } فالمراد فيه المجموع لا الجميع ، لأن من لزم المركز مطيع ، وإنما عصى من انتقل عنه ، وهو سفح الجبل ، أمر الجميع بلزومه والرمى منه معاونة لأصحاب السيف { من بعد مآ أراكم ما تحبون } من الظفر والغنم وانهزام العدو ، وروى أحمد وغيره عن ابن عباس ما نصر الله D نبيه فى موطن كما نصره فى أحد ، فأنكروا ذلك ، فاحتج عليهم بقوله تعالى ، ولقد صدقكم الله وعده ، إذ تحسبونهم ، قال مجاهد ، نصر الله تعالى المؤمنين ، حتى ركبت نساء المشركين على كل صعب وذلول ، وقد قال A للرماة ، « لا تفارقوا موضعكم ولو رأيتم الطير تأكلنا » ، ففارقوه وجاءهم خالد وعكرمة بن أبى جهل فأرسل إليهم A الزبير فهزمهما ومن معهما ، فدخل الرماة العسر ودخل خالد ومن معه موضعهم ، وقتل بعض المسلمين بعضا التباسا { منكم من يريد الدنيا } وهم من تحولوا عن المركز للغنيمة { ومنكم من يريد الأخرة } وهم الملازمون للمركز حتى قتلوا { ثم صرفكم } عطف على جواب إذا ، والمعنى كفكم { عنهم } بالانهزام ، وغلبوكم { ليبتليكم } يعاملكم معاملة المختبر ليظهر إخلاصكم وثباتكم على الإيمان وعدمها ، وفى ذلك استعارة مركبة تمثيلية ، والآية دليل على أن كل فعل لمخلوق فعل الله ، بمعنى أنه خلقه ، ولو معصية ، إذا أسند الصرف إلى نفسه ، مع أن الانهزام كبيرة ومخالفة لأمره A بلزوم المركز { ولقد عفا عنكم } لعلمه بتوبتكم عن المخالفة ، فلا ضمان دية ولا عتابن فهذا تفضل ، فلا دليل فى الآية على تصور العفو بلا توبة ، نعم يتصور فى ناسى ذنبه الذى لم يضر عليه ، ولا سيما من يستغفر من الذنوب عموما وخصوصا فيدخل ذنبه فى العموم ، وهو تعميم واجب على المكلف ، وقيل : عفا عنكم بمحض فضله ، عفا عن الاستئصال ، وقيل عن من لم يعص بانصرافه { والله ذو فضل علآ المؤمنين } يعفو عنهم ويرحمهم ، غلبوا أو غلبوا ، والمراد المخاطبون ، أو عموم المؤمنين ، فيدخلون أولا .

مخ ۳