391

وأما إذا اشتركا في الموضوع على الوجوه الأخرى فيمكن أن يتفقا في القياس : فإنه إذا كان الحد الوسط جنسا للأصغر أو فصلا مقوما أو شيئا من هذه المقومات، والكبر عارضا لذلك الجنس أو ذلك المقوم - )103 أ( وهو المأخذ الأول من مآخذ البرهانيات - أو كان )103 أ( الأوسط عارضا ذاتيا للأصغر؛ والأكبر عارضا ذاتيا آخر أو جنس عارض أو فصله أو شيئا مقوما له - وهو المأخذ الثاني من البرهانيات - ليس غيرهما على ما أوضحنا - كان نحو النظر في العلمين واحدا. وإن م يكن هكذا لم يكن القياس برهانيا في كليهما جميعا : بل عساه أن يكون برهانيا في أحدهما غير برهاني في الآخر؛ أو يكون في كليهما غير برهاني : إذ بينا أن البرهان لا يخلو عن أحد هذين المأخذين، وأشبعنا القول فيه. ثم من المحال أن يتفق في أحد المأخذين علمان متباينا الموضوع أو متباينا نحو النظر في الموضوع. ولهذا السبب ليس للمهندس أن يبين هل الأضداد بها علم واحد أولا : فإن الأضداد ليست من جملة موضوعات علمه ولا من العوارض الذاتية له أو لجنسه.

وإذا كان الأمر على ما حققناه فيجب أن نعلم أنه إنما ينقل البرهان من علم أعلى إلى علم تحته كالبراهين الهندسية تستعمل في المناظر، والعددية تستعمل في التأليف.

ويجب ألا يتفق بحثا علمين متباينين في الموضوعات والأعراض؛ وألا يكون شيء من العلوم ينظر في الأعراض الغريبة ولا في الأعراض التي تعرض للشيء لا بما هو هو مثل الحسن والقبيح إذا استعملا في الشكل والخط؛ والمقابلة إذا روعيت بين المستدير والمستقيم : فإن أمثال هذه وإن كانت تؤخذ بوجه ما في موضوعات الهندسة، فليست تعرض لها بما هي هي، بل هي عوارض خارجية قد تعرض لأشياء غير الجنس الذي يختص بموضوعات الهندسة.

هذا : وقد قيل في التعليم الأول : لما كان يجب أن تكون مقدمات البرهان كلية حتى تكون يقينية لا تتغير تغير الأمور الشخصية، ووجب أن تكون نتائجها كذلك كلية ودائمة، وجب ألا يكون برهان على الأشياء الجزئية الفاسدة؛ بل على أحوالها قياس ما يدل على أن الأمر هكذا فقط : لأنه لا يمكن أن يدل على انه يجب ألا يتغير. ولا أيضا بها علم إلا العلم الذي بطريق العرض. وأما اليقين فغنما يكون بالحكم الكلى الذي يعم الشخص وغيره، ثم عرض واتفق أن دخل هذا الشخص تحت ذلك الحكم دخولا لا تقتضيه نفس ذلك الحكم، ولا الشخص يقتضي دوامه تحته. فليس أحدهما يقتضي دوام النسبة مع الآخر. فإذن النسبة بينهما عارضة وقتا ما. والعلم إذن بالجزئي - أعني الشخص - علم بالعرض. ولذلك إذا زال عن الحس وقع فيه شك ولو في الذاتيات : مثل أنه هل زيد حيوان. فإنه إن مات أو فسد لم يكن حيوانا.

وقيل في التعليم الأول أيضا انه فرض على الفاسد برهان كانت إحدى المقدمتين غير كلية - وهي الصغرى - وفاسدة. أما فاسدة فلأن المقدمات لو كانت دائمة لكانت النتيجة دائمة، فكان دائما يوصف الشخص الفاسد بالأكبر ولو بعد فساده. وهذا محال. وأما غير كلية فإن الكلية تبقى وهذا الشخص قد فسد، فكيف يمكن أن يحكم عليه بالكلية؟ وإنما يبقى الكل محمولا أياما ووقتا ما. ومحال أن يكون برهان وليست المقدمتان كليتين ودائمتين. فإذن لا برهان على الفاسد. ولا قياس أيضا كليا، بل قياسات في وقت. وسنبين بعد أن كل حد فإما أن يكون مبدأ برهان أو تمام برهان أو نتيجته - أو يكون برهانا متغيرا متقلبا؛ وتكون الأجزاء التي للحد مشتركة بين البرهان والحد. وإذ لا برهان عليها فلا حد لها. ثم الفاسدات إنما بفارق كل واحد منها إما شيئا خارجا عن نوعه، أو شيئا في نوعه. فأما مفارقته لما هو خارج عن نوعه فيجوز أن يكون بالمحمولات الذاتية. ولكن لا يكون ذلك بما هو هذا الشخص، بل بما له طبيعة النوع. واما الأشياء التي في نوعه فإنما يفارقها بأمور غير ذاتية، بل بخواص له عرضية، ويمكن أن تكون مشاركاته في نوعه بالقوة بلانهاية ، وله مع كل واحد منها فصل آخر عرضي لا ذاتي، فإن الأشياء التي تحت النوع الواحد متفق كلها في الذاتيات.

فإذن لا يجوز أن يحد الشخص الفاسد والشخص المشارك في نوعه الأقرب حدا يكون له بما هو شخص أصلا، لأنه إن ميز بقول كان ذلك القول من عرضيات لا من ذاتيات، ومن عرضيات غير محدودة. وأما القول الذي من الذاتيات الذي يفرقه لا من أشخاص نوعه، بل من سائر الأنواع، فليس له لأنه هذا الشخص، بل لأن له طبيعة النوع. فالحد للشخص الفاسد أيضا بالعرض مثل البرهان.

مخ ۴۴۸