390

ونقول من رأس إن العلوم المشتركة إما أن تشترك في المبادئ وإما أن تشترك في الموضوعات وإما في المسائل. والمشتركة في المبادئ فلسنا نعني بها المشتركة في المبادئ العامة لكل علم، بل المشتركة في المبادئ التي تعم علوما ما مثل العلوم الرياضية المشتركة في ان الأشياء المساوية لشيء واحد متساوية. وتلك الشركة إما أن تكون على مرتبة واحدة كالهندسة والعدد في المبدأ الذي ذكرناه. وإما أن يكون المبدأ للواحد منهما أولا وللثاني بعده، مثل أن الهندسة وعلم المناظر، بل الحساب وعلم الموسيقى، يشتركان في هذا المبدأ. لكن الهندسة أعم موضوعا من علم المناظر. فلذلك يكون لها هذا المبدأ أولا. وبعدها للمناظر. وكذلك حال الحساب من الموسيقى. وإما أن يكون ما هو مبدأ في علم مسألة في علم آخر وهذا على وجهين : إما أن يكون العلمان مختلفي الموضوعين بالعموم والخصوص فيبين شيء في علم أعلى ويؤخذ مبدأ في علم أسفل، وهذا يكون مبدأ حقيقيا. أو يبين شيء في علم أسفل ويؤخذ مبدأ للعلم الأعلى، وهذا يكون مبدأ بالقياس إلينا. وإما أن يكون العلمان غير مختلفين في العموم والخصوص، بل هما مثل الحساب والهندسة، فتجعل مسائل أحدهما مبادئ لمسائل الآخر : فإن كثيرا من مبادئ المقالة العاشرة من " كتاب الاسطقسات " عددية قد تبرهن عليها قبل في المقالات العددية. وهذا لا يمكن إذا لم يكن بين العلمين شركة في موضوع أو في جنس موضوع.

وأما الشركة في المسائل فهي أن يكون المطلوب فيهما جميعا محمولا لموضوع واحد، وإلا فلا شركة. وهذا أيضا لا يمكن أن يكون إلا مع اشتراك العلمين في الموضوع.

فإذن الشركة الأولية الأصلية التي للعلوم هي على موجب القسم الثالث، وهو الشركة في الموضوع على وجه من الوجوه المذكورة. وهي ثلاثة : إما أن يكون أحد الموضوعين أعم والآخر أخص كالطب والعلم الطبيعي؛ والهندسة والمخروطات، وسائر أشبه ذلك. وإما أن يكون لكل واحد من موضوعي علمين شيء خاص وشيء يشارك فيه الآخر كالطب والأخلاق. وإما أن يكون ذات الموضوع فيهما واحدا، ولكن أخذ باعتبارين مختلفين فصار باعتبار موضوعا لهذا وباعتبار موضوعا لذلك. كما أن جسم السماء والعالم موضوع لعلم الهيئة وللعلم الطبيعي.

وإذا تكلمنا في مشاركة العلوم في الموضوعات والمبادي والمسائل، فيجب أن نتكلم في نقل البرهان.

الفصل الثامن في نقل البرهان من علم إلى علم وتناوله للجزئيات تحت الكليات وكذلك تناول الحد

نقل البرهان يقال على وجهين : فيقال أحدهما على أن يكون شيء مأخوذا مقدمة في علم ويكون برهانه في علم آخر، فيتسلم في هذا العلم وينقل برهانه إلى ذلك العلم، أي يحال به على العلم. ويقال على وجه آخر وهو أي يكون شيء مأخوذا في علم على انه مطلوب ثم يبرهن عليه ببرهان حده الوسط من علم آخر. فتكون أجزاء القياس - وهي الحدود - صالحة للوقوع في العلمين، كما يبرهن على زوايا مخروط البصر في علم المناظر بتقديرات هندسية على جهة لو جعلت معها تلك الزاوية هندسية محضة لكان البرهان عليها ذلك. وكذلك البراهين التي تقوم على الأعداد التي في علم التأليف وإن كان الداعي إلى هذا لا شيء من نفس الأمور، بل ضرورة ما على ما سنبينه بعد.

ونحن نعني هاهنا بنقل البرهان ما كان على سبيل القسم الثاني : وذلك لا يمكن إلا أن يكون أحد العلمين تحت الآخر. وبالجملة يجب أن يشتركا في الموضوع حتى يشتركان في آثاره، إما على الإطلاق، وإما بوجه ما؛ وهذا الوجه هو أن أحدهما تحت الآخر. فحينئذ يجوز أن ينقل البرهان من العام إلى الخاص؛ فيكون العام يعطى العلة للخاص على ما سنوضحه بعد.

مخ ۴۴۷