المنطق
المنطق
الضرب الخامس في المشهور: استثناء نقيض المقدم من غير تام اللزوم. هذا لا تجب له نتيجة في المشهور. فإن التالي إذا كان أعم لزوما، فليس إذا رفع المقدم أوجب رفع التالي، إذ التالي موجود مع غير المقدم، وهذا كقولهم: إن كان زيدا متنقلا، فهو متغير. لكنه ليس بمتنقل، فليس يلزم أنه متغير أو ليس بمتغير. فإنه إن لم يكن متنقلا، جاز أن يكون متغير في الكيف، وان لا يكون. الضرب السادس: من استثناء عين تال من متصل، ناقص اللزوم. لا ينتج. وليكن مثاله: لكنه متغير، فليس يلزم أنه متنقل، أو ليس بمتنقل.
الضرب السابع: استثناه نقيض مقدم ما هو تام اللزوم. فينتج: نقيض التالي. وذلك لأنه يصير تاليا، ويصير ما كان تاليا مقدما. وعلى ما علمنا. والحكم في هذا الضرب هو الحكم في الثالث.
الضرب الثامن: استثناء نقيض تال تام اللزوم. وليس هذا بالحقيقية ضربا آخر غير الذي سلف؛ بل يجب أن تعلم أن استثناه نقيض المقدم لا ينتج، واستثناء عين المقدم ينتج عين التالي، واستثناء عين التالي لا ينتج، واستثناء نقيض التالي ينتج نقيض المقدم. وإن هذا التكلف منهم إنما دعاهم إليه سبب واحد، وهو فقدانهم ما تولاه المعلم الأول من تفصيل القياسات الشرطية، واحتياجهم إلى أن يخوضوا فيه بأنفسهم، واقترن بذلك غفولهم عن القياسات الاقترانية فيها، ووقوعهم إلى هذه الاستثنائية، واستقلالهم عدد ما لاح لهم، واستقباحهم أن يكون ذلك امرا مؤازرة لما تولى المعلم الأول بيانه في الحمليات، فالتجأوا إلى تكبير الجور بالنقض.
ويجب أن تختم هذا الفصل بشيء، وهو انك يجب أن لا تلفت إلى ما يقال: إن الاستثنائية لا تكون إلا في الحملية. واعلم أنها تكون ما يكون المقدم أو التالي المأخوذ، هو أو نقيضه في الاستثناء. وإذا كان كل واحد منهما يجوز أن يكون أحد أقسام المقدمات، فكذلك الاستثناء. فلذلك إن قال قائل: إن كان إن طلعت الشمس، كان نهارا؛ فالنهار لازم الشمس. ثم أراد أن يستثني المقدم، لم يستثن إلا شرطيا. وقد ظن القوم أن اللزوم قد يكون على سبيل الإمكان، كقولهم: إن كان هذا حيوانا فيمكن أن يكون إنسانا، وإن حكم الاستثناء فيه بعك الحكم فيما سلف. وإنما غرتهم هذه المادة، وعلى أن الإمكان فيها إمكان بحسب الذهن لا بحسب الأمر، إذ ليس شيء من خارج هو حيوان ويمكن أن يكون إنسانا؛ بل هو واجب إما أن يكون إنسانا، أو واجب أن لا يكون إنسانا ولا يصير إنسانا البتة وجوهره باق على ما هو في شرط الممكنات. فأما أن هذا غير منتج على ما ظنوه، فإنك إذا قلت: إن كان هذا حيوانا، فيمكن أن يكون أبيض، لكنه أبيض أو ليس أبيض، حيوان أو ليس بحيوان، لم يلزم عنه شيء، بل عسى إنما يلزم هذا في الإمكان الذهني، الذي يختص بنسبة الأعم، إلى الأخص الذي ينقسم إلى الأعم. وهذا شيء وراء كون اللزوم ممكنا، وشيء يلتفت فيه إلى المواد دون الصورة. والذي الجأهم هذا الشيء العجيب. وذلك أن المعلم الأول ذكر في كتاب النفس: أن النفس إن لم يكن لها فعل بذاتها فلا يمكن أن يكون لها قوام بذاتها، وإن كان لها فعل بذاتها كان لها قوام بانفرادها. فجاء رجل له سبق في العلم الطبي، ونكوص في المنطق، فزعم أن فلانا كان خطأ، إذ استثنى نقيض المقدم فأنتج منه نقيض التالي. فقال قوم يتعصبون للعلم الأول: إنه لم يخطئ لأن هذا اللزوم هو بالإمكان وجاز له أن استثني نقيض المقدم فيه ليجعل نقيض التالي نتيجة التي تلزم على جهة الإمكان. وعسى أن يكون قوم يجيبون عن ذلك، بأن اللزوم فيه تام، فينتج نقيض المقدم. والحق أن المعلم الأول لم يورد هذا الكلام على سبيل الاستثناء والإنتاج، بل ذكر مقدمتين معا، في موضع أحدهما عكس الآخر، كمن لو أبتدأ فقال: إن كان ضاحك إنسان، وكل إنسان ضاحك؛ فدل ذلك على تساوي المحمول والموضوع فيهما، ليس على الثاني منهما شيء يستبين من الأول، بل شيء يذكره مع الأول، ولذلك ذكر الثانية مع لفظ الشرط، والاستثناء لا يذكر مع لفظ الشرط، بل يذكر بناء على أنه قوم تام، لا على أنه جزء قول. فلما وضع المقدمتين جميعا، جاء وبين في موضع آخر أن للنفس فعلا بذاتها، فأنتج: فلها قوام بذاتها. فكان استثناؤه ليس نقيض مقدم أولتهما، بل عين مقدم الثانية. لكن المتشكك ضل فحسب أنه ينتج من نقيض المقدم نقيض التالي. والذي اشتغل بحل ذلك حسب أن المتشكك صدق فيما ظن، واخذ يروم وجه التخلص بالحيلة التي لا جدوى لها، فأخطأ المتشكك في واحد واخطأ الحال في شيئين: أحدهما تصديقه المتشكك فيما ذكر من حال الاستثناء. والثاني إيجابه أن ذلك الاستثناء منتج في مادة الإمكان.
الفصل الثاني (ب) فصل في تعديد أصناف القياسات الاستثنائية
مخ ۳۲۵