284

فأما ما تكون صورة المقدمة فيه محفوظة من حيث هي متصلة لها مقدم وتالي، ولا يكون ذلك مضمنا فيها لازما إياها، ويختلف هو من غير إيجاب اختلاف فيها، فلا يجب أن يلتفت إليه. فإنه ليس المفهوم من كون المقدمة متصلة، ذات مقدم وتال، أن تاليه كيف حاله مع المقدم في أن سينعكس عليه أو لا ينعكس. فإن ذلك مما لا يفهم عن صورة المقدمة، بل هو شيء يجوز أن يفهم من خارج. وليس أيضا من المفهومات الخارجة اللازمة لزوم العكوس؛ بل من اللواحق الممكنة التي تتفق في مادة مادة. فيجب أن لا يلتفت إلى أمثال هذه التكثيرات. ومن علم أن التالي ينعكس على المقدم، ليس من صورة المقدم، بل من خارج، فما يحوجه إلى استعمال هذا القياس؛ وله سبيل إلى أن يوضع الملزوم عنه مقدما. ولا يلزم هذا ما عمل في الشكل الثاني والثالث إذا استعملا مع الاستغناء عنهما بالشكل الأول، إذ الأمر هناك مخالف للأمر ههنا؛ فإنه كما علمت هناك أن كثيرا ما يكون السابق إلى الذهن أنه لاشيء من ا ب، ثم يخطر بالبال بعده أنه لا يجب أن يكون لا شيء من ب ا، أو لم يخطر ذلك بالبال، فيكون خطور هذا شيئا سابقا إلى الذهن. فإذا كانت هذا السابق إلى الذهن كما هو وقد ينتج بقرن آخر إليه، لم يحتج إلى تكلف عكس. وكذلك في الموجبة الجزئية، فيكون هذا وجها مفيدا في استعمال الشكلين الآخرين. ومع ذلك فغن العكس لازم للمعكوس، وهذا شيء قد فرغ عنه لك فيما سلف. وأما ههنا فإن الصورة قولنا: إن كان ا ب، فج د، ليس يقتضي ذلك أن يكون إن كان ج د، فا ب لا محالة، بل يجب أن يكون هذا معلوما لك من نفسه خاطرا بالبال سابقا إليه، لا لازما عن الأول، فإنه لا يلزم عنه البتة. وإذا كان هذا معلوما لك بنفسه، خاطرا في بالك، واستثنيت أن ج د، فبالحقيقية إنما استثنيت المقدم، وهو الذي سبق إلى الذهن، ولم يحتج إلى متوسط آخر. فلو كان قولنا: إن كان كل ا ب، فج د، إذا سبق إلى ذهنك، لزم عنه عكسه، وكان عكسه بحيث ينتج عين مقدم عين تاليه، الذي الآن هو عين مقدم لما سبق إلى ذهنك. لكنت تقول: إن هذا لما سبق إلى الذهن أولا، لزمه شيء، يلزمه ثالث، ولازم اللازم شيء لازم الملزوم الأول. فلا أكف الآن ذهني أن ينتقل من هذا إلى اللازم الأول، ومن اللازم الأول إلى الثالث، الذي هو لازم ثان، بل أتركه ينتقل دفعة إلى اللازم الثاني على أنه لازم أول، من غير حاجة إلى أن يلتفت إلى القياس الأول عند الاستعمال، وغن كان يحتاج إلى ذلك في وقت استبان أن القياس منتج. ولكنت استفدت بما علمته شيئا واختصرت بابا؛ وكان حكمه حكم ضروب الشكل الثاني والثالث. وإذ ليس الأمر كذلك البتة، بل إنما ينفعك أن يخطر هذا العكس بالبال، إذ يحتاج أن تعلم أن اللازم تام، وهذا هو أنك يحتاج أن تعلم ويخطر بالبال أن هذا الذي هو تال له نسبة التقديم إلى هذا الذي هو الآن مقدم. فإذ كنت تحتاج إلى أن تخطر هذا بالبال أولا حتى يعقد قياسك، فتكون قد أوردت في ذهنك إنه إن كان ج د، ثم لما استثنيت لكن ج د، فإنما استثنيت مقدم المقدمة التي أخطرت بالبال بالفعل. فما كان للمقدمة الأولى غناء بوجه في أن تكون جزء من القياس، واكثر عناية أن تكون تذكرت به شيئا ليس يلزمه بل يعرض معه.

الضرب الرابع في المشهور، استثناء نقيض التالي من ناقص العناد. وينتج نقيض المقدم. كقولك: إذا كان ج د، فا ب، لكن ليس ا ب، فليس ج د. وليس قياسا كاملا ويبين هكذا: أنه إن لم يكن ليس ج د، فج د. وإذا كان ج د، فا ب. ينتج: أنه إن لم يكن ليس ج د، فا ب. لكن فرضنا ليس ج د. ينتج فا ب. فإذن حق أن ا ب، وكان حقا أن ليس ب. وهذا خلف.

ولا يحتاج إلى تطويلنا فيما سلف أن نذكرك من رأس أنه إن كان هذا الاتصال على سبيل الموافقة لم تجب هذه النتيجة.

قال بعضهم: ربما كان التالي كثير الأجزاء، وأخذ كشيء واحد، كقولهم: الفلك لا ثقيل ولا خفيف، فيجب أن يؤتى بنقيض الجملة كلها. والذي عندنا في هذا إنه إن عني بقوله: لا خفيف ولا ثقيل، السلبين جميعا؛ فيكتفي باستثناء نقيض أيهما شئت، حتى ينتج نقيض الآخر. وإن عني بذلك إثبات الواسطة بين المرين، وقد عبر عنه بالسلبين، والتالي معنى واحد في الحقيقية ليس فيه كثرة أجزاء. ومع ذلك فإن استثناء أحدهما أيضا يكفي. فإن إثبات أحد الطرفين رفع الوسط، كما أن نقيض أحد الشرطين يوجب نقض المجتمع. فإن سلب الجزء سلب بالقوة للمجتمع من حيث هو مجتمع.

مخ ۳۲۴