457

مروج الذهب او معدن جواهر

مروج الذهب ومعادن الجوهر

وذكر ان المنصور هيئت له عجة من مخ وسكر فاستطابها، فقال: أراد إبراهيم ان يحرمني هذا وأ شباهه. وذكر ان المنصور قال يوما لجلسائه بعد قتل محمد وإبراهيم: تالله ما رأيت رجلا أنصح من الحجاج لبني مروان، فقام المسيب بن زهير الضبي فقال: يا أمير المؤمنين ما سبقنا الحجاج بأمر تخلفنا عنه، والله ما خلق الله على جديد الأرض خلقا أعز علينا من نبينا صلى الله عليه وسلم، وقد أمرتنا بقتل أولاده فأطعناك، وفعلنا ذلك، فهل نصحناك أم لا، فقال له المنصور: أجلس لا جلست. وقد ذكرنا أنه كان قبض على عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي رضي الله عنه ومحمد وإبراهيم ابني عبد الله وعلى كثير من أهل بيته، وذلك في سنة اربع واربعين ومائة في منصرفه من الحج، فحملوا من المدينة إلى الربذة من جادة العراق، وكان ممن حمله مع عبد الله بن الحسن إبراهيم بن الحسن بن الحسن، وأبو بكر بن الحسن بن الحسن، وعلي الخير، وأخوه العباس، وعبد الله بن الحسن بن الحسن والحسن بن جعفربن الحسن بن الحسن ومعهم محمد بن عبد الله بن عمروبن عثمان بن عفان أخوعبد الله بن الحسن بن الحسن لأمه فاطمة ابنة الحسين بن علي وجدتهما فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجرد المنصور بالربذة محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان فضربه ألف سوط، وسأله عن ابني أخيه محمد وإبراهيم، فأنكر ان يعرف مكأنهما، فسألت جدته العثمانية في ذلك الوقت، وارتحل المنصور عن الربذة وهو في قبة، وأوهن القوم بالجهد فحملوا على المحأمل المكشوفة، فمربهم المنصور في قبته على الجمازة فصاح به عبد الله بن الحسن: يا أبا جعفرما هكذا فعلنا بكم يوم بدر فصيرهم إلى الكوفة، وحبسوا في سرداب تحت الأرض لا يفرقون بين ضياء النهار وسواد الليل، وخلى منهم سليمان وعبد الله ابني داود بن الحسن بن الحسن وموسى بى عبد الله بن الحسن والحسن بن جعفر، وحبس الاخرين ممن ذكرناهم حتى ماتوا، وذلك على شاطىء الفرات بالقرب من قنطرة الكوفة، ومواضعهم بالكوفة تزار في هذا الوقت، وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة، وكان قد هدم عليهم الموضع، وكانوا يتوضؤن في مواضعهم فاشتدت عليهم الرائحة، فاحتال بعض موإليهم حتى أدخل إليهم شيئا من الغالية فكانوا يدفعون بشمها تلك الروائح المنتنة، وكان الورم يبدو في اقدامهم فلا يزال يرتفع حتى يبلغ ألفؤاد فيموت صاحبه.

وذكر من وجه آخر أنهم لما حبسوا في هذا الموضع أشكل عليهم أوقات الصلاة فجزؤا القرآن خمسة اجزاء، فكانوا يصلون الصلاة على فراغ كل واحد منهم من حزبه، وكان عدد من بقي منهم خمسة، فمات إسماعيل بن الحسن، فترك عندهم حتى جيف، فصعق داود بن الحسن فمات وأتى برأس إبراهيم بن عبد الله فوجه به المنصور مع الربيع إليهم، فوضع الرأس،بين أيديهم وعبد الله يصلي، فقال له إدريس، أخوه: أسرع فى صلاتك يا أبا محمد، فالتفت إليه واخذ الرأس فوضعه في حجره وقال له: أهلا وسهلا يا أبا القاسم، والله لقد كنت - ما علمتك - من الدين قال الله عز وجل فيهم: " الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق، والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل " إلى اخر الآية فقال له الربيع: كيف أبو القاسم في نفسه، قال: كما قال الشاعر:

فتى كان يحميه من الذل سيفه ... ويكفيه أن يأتي الذنوب اجتنابها

ثم التفت إلى الربيع فقال له: قل لصاحبك قد مضى من بؤسنا أيام، ومن نعيمك أيام، والملتقى يوم القيامة: قال الربيع: فما رأيت المنصور قط أشد انكسارا منه في الوقت الذي بلغته فيه هذه الرسالة، فأخذ هذا المعنى العباس بن الأحنف فقال:

فإن تلحظي حالي وحالك مرة ... بنظرة عين عن هوى النفس تحجب

مخ ۴۸۱