مروج الذهب او معدن جواهر
مروج الذهب ومعادن الجوهر
ودخل عليه الناس يسألونه، فقالوا: يا أمير المؤمنين، رأيت إن فقدناك، ولا نفقدك، أنبايع الحسن؟ قال: لا آمركم ولا أنهاكم، وأنتم أبصر، ثم دعا الحسن والحسين، فقال لهما: أوصيكما بتقوى الله وحده ولا تبغيا الدنيا وإن بغتكماء، ولا تأسفا على شيء منها، قولا الحق وارحما اليتيم، وأعينا الضعيف، وكونا للظالم خصما وللمظلوم عونا، ولا تأخذكما في الله لومه لائم؛ثم نظر إلى ابن الحنفية فقال: هل سمعت ما أوصيت به أخويك؟ قال: نعم، قال: أوصيك بمثله، وأوصيك بتوقر أخويك، وتزيين أمرهما، ولا تقطعن أمرا دونهما، ثم قال لهما: أوصيكما به، فإنه سيفكما وابن أبيكما، فأكرماه واعرفا حقه.
فقال له رجل من القوم: ألا تعهد يا أمير المؤمنين؟ قال: لا ولكني أتركهم كما تركهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فماذا تقول لربك إذا أتيته؟ قال: أقول: اللهم إنك أبقيتني فيهم ما شئت أن تبقيني، وقبضتني وتركتك فيهم فإن شئت أفسدتهم،، وإن شئت أصلحتهم،ثم قال: أما والله إنها الليلة التي ضرب فيها يوشع بن نون ليلة سبع عشرة وقبض ليلة إحدى وعشرين.
وبقي علي الجمعة والسبت، وقبض ليلة الأحد، ودفن بالرحبة عند مسجد الكوفة.
وقد قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب في أخباره تنازع الناس في موضع قبره، وما قيل في ذلك.
سنه وفضله
وقبض وقد أتى عليه اثنتان وسبعون سنة، وقيل: اثنتان وستون، وقد قدمنا تنازع الناس في مقدار سنة، وكان كما قال الحسن: والله لقد قبض فيكم الليلة رجل ما سبقه الأولون إلا بفضل النبوة، ولا يدركه الأخرون، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبعثه فيكتنفه جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره فلا يرجع حتى يفتح الله عليه.
وكان الذي صلى عليه الحسن ابنه، وكبر عليه سبعا، وقيل غير ذلك.
تركته
ولم يترك صفراء ولا بيضاء، إلا سبعمائة درهم بقيت من عطائه، أراد أن يشتري بها خادما لأهله، وقال بعضهم: ترك لأهله مائتين وخمسين درهمأ ومصحفه وسيفه.
فعلهم بابن ملجم
ولما أرادوا قتل ابن ملجم لعنه الله قال عبد الله بن جعفر: دعوني حتى أشفي نفسي منه، فقطع يديه ورجليه وأحمى له مسمارا حتى إذا صار جمرة كحله به، فقال: سبحان الذي خلق الإنسان، إنك لتكحل عمك بملمول الرصاص، ثم إن الناس أخذوه وأدرجوه في بواري ثم طلوها بالنفط وأشعلوا فيها النار فاحترق، وفيه يقول عمران بن حطان الرقاشي يمدحه في ضربته من شعر له طؤيل:
يا ضربة من تقي ما أراد بها ... إلا ليبلغ من في العرش رضوانا
إني لأذكره يوما فأحسبه ... أوفى البرية عند الله ميزانا
فأجابه القاضي أبو الطيب طاهر بن عبد الله الشافعي:
إني لأبرأ مما أنت قائله ... عن ابن ملجم المعلون بهتانا
يا ضربة من شقي ما أراد بها ... إلا ليهدم للإسلام أركانا
إني لأذكره يوما فألعنه ... دنيا، وألعن عمرانا وحطانا
عليه ثم عليه الدهر متصلا ... لعائن الله إسرارا وإعلانا
فأنتما من كلاب النار جاء به ... نص الشريعة برهانا وتبيانا
وزاد بعضهم على هذه الأبيات بيتا آخر، وهو:
عليكما لعنة الجبار ما طلعت ... شمس، وما أوقدوا في الكون نيرانا
معارضة لبيتي اللعين ابن حطان لعنه الله في ابن ملجم أخزاه الله:
قل لابن ملجم، والأقدار غالبة ... هدمت ويلك للإسلام أركانا
قتلت أفضل من يمشي على قدم ... وأول الناس إسلاما وإيمانا
وأعلم الناس بالقرآن، ثم بما ... سن الرسول لنا شرعا وتبيانا
ضهر النبي، ومولانا، وناصره ... أضحت مناقبه نورا وبرهانا
وكان منه على رغم الحسود له ... مكان هارون من موسى بني عمرانا
وكان في الحرب سيفا صأرما ذكرا ... ليثا إذا ما لقى الأقران أقرانا
مخ ۳۴۱