188

دلیل و برهان

الدليل والبرهان لأبي يعقوب الوارجلاني

وقوله حكاية عن يونس عليه السلام ك (أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين).

واعلم يا أخي أني قدمت لك قبل هذا التفرقة بين التسمية بالأفعال وبين التسمية بالأبدان، بما فيه الكفاية، إن شاء الله.

وإذا أطلق الرب تعالى لعبده اسما ولم يقيده، كان ذلك الاسم له مطلقا، وهو يقول في نوح عليه السلام: (إنه كان عبدا شكورا). فهو شكور أبدا وهو اسمه على أنه قال له قبل هذا: (إني أعظك أن تكون من الجاهلين).

ولما قال لمحمد عليه السلام في معرض الامتنان: (ووجدك ضالا فهدى). فقيد الضلال بالهدى ولم يقيد الهدى بالضلال كما قال - عز وجل - في ثمود: (وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى). فقيد الهدى هاهنا بالعمى، فصاروا قوما عمين.

وأما محمد فقيد ضلالة بالهدى، فصار هاديا مهديا، والأسماء بالمآل والعاقبة، وذهب الاسم الطارئ وبقي الحقيقي، وذلك قول موسى عليه السلام حيث يقول: (فعلتها إذا وأنا من الضالين): ألا تراه قد فعلها إذا فقيد الفعلة والضلال بالوقت، فعقب بالاسم الصحيح، وذهب الطارئ وبقي الحقيقي فقال: (فوهب لي ربي حكما وجعلني من المرسلين) فبقي اسمه كليم الله وصفيه وذهب الضلال في ضلال.

وأما قول يونس عليه السلام حيث قال معترفا: (أن لا إله إلا أنت سبحانك أني كنت من الظالمين) ليس فيه أكثر من الاعتراف والإنابة والتقييد بذلك والانفكاك منه إلى اسمه في المآل لقوله: (فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون) فذهب الطارئ وبقي الاسم الحقيقي.

وأما قوله في محمد (صلى الله عليه وسلم): (وإن كنت من قبله لمن الغافلين) وأنه اسم مذموم.

واعلم أنه ليس بمذموم ولا محمود إلا بقربته تدل على الحمد أو الذم، فإن عري منهما صار لا مذموما ولا محمودا، وقد وردت هذه الوجوه الثلاثة في القرآن:

مخ ۲۳