وهكذا لم تذق عزيزة النوم ويهدأ لها جفن من أثر السهاد والتفكير في حبيب روحها يونس، إلا بعد أن نجحت في نقله مع شقيقيه من سجون العلام إلى سجن مهجور ملحق بقصرها.
وذلك بعد أن أشارت سعدى مقترحة على أبيها الزناتي تعيين من يثق هو بنفسه فيهم من سجانين وحراس أشداء. - لك ما تراه يا أبي، المهم حفظ الأمانة بعيدا من عبث العلام، حتى يرجع عبدهم بفديتهم.
وكم كان حقا غيظ العلام وكمده من فعل النساء، حين نام وصحا ذات يوم على خبر نقل الفرسان الثلاثة الغرباء إلى سجن قصر العزيزة سرا، وكأنه بالفعل آخر من يعلم! حتى إنه هدد متوعدا لأصفيائه ومقربيه بقوله: ليحدث ما يحدث في قرطاج، أنا غير مسئول طالما أنني آخر من يعلم.
حتى إذا ما وصل خبر ما توصلتا إليه عزيزة وسعدى إلى أسماع يونس ومرعى ويحيى في سجنهم، اشتد بهم الفرح وكأنهم خرجوا إلى الحرية بعد أيام السجن الذي أراده العلام أقرب إلى الموت اليومي لحظة إثر لحظة حتى إنهم لم يكونوا يذوقون للنوم طعما ، وإن سقط أحدهم في إغفاءته سهر عليه الباقيان؛ تخوفا من غدر العلام وجلاديه وتربصهم دون كلل لقتل يونس أولا وقبل كل شيء. - كبيرهم.
وكيف للعلام أن ينسى لحظة حين نازله يونس - دفاعا عن نفسه - على مرأى من عزيزة والجميع وكاد أن يزهق روحه بحسامه، لولا إشارة من العزيزة ليبقي عليه مهانا عند أقدامها وهي تصيح: دعه يا يونس.
تنهد العلام في أقصى مرارته: وها هو يونس يعود إلى حيث كان بقصر عزيزة معززا ودون علم منه، ذلك القصر الذي حرم عليه الاقتراب منه من قريب أو بعيد. - أنا العلام بن هضيبة!
لكن كيف للعلام أن يصفو أو يبتعد وعيونه توافيه يوما بيوم بما أصبح عليه السجن وقصر عزيزة من بهجة وانشراح وغناء لا ينقطع؟ ناهيك عن فاخر الطعام والمفروشات والهدايا التي حطت على السجن الفولاذي الجدران، الذي أشرف بنفسه على بنائه وتشييده، ليتحول اليوم إلى حديقة فيحاء يمرح فيها أولئك الغرباء على مرأى من حراسه الذين عينهم الزناتي ليتلقوا كل أمر ونهي من ابنته سعدى مع حبيب قلبها أيضا المدعو مرعي.
وبالطبع لم يبعد تصور العلام بن هضيبة عما استحال إليه الحبس الجديد في قصر العزيزة بنت معبد، ذلك الذي اكتفت فيه عزيزة وسعدى بالثقة المشعة من عيني يونس ومرعي، ففي هذا كل اكتفاء لإطلاق سراحهما لكن دون هرب، فكيف ليونس أن يهرب عن عيني عزيزة؟! وكيف لمرعي أن يصحو يوما فاتحا عينيه في عالم بلا سعدى؟! إن ذلك سيكون هو بذاته السجن الحقيقي.
إلا أن يونس لم يكف يوما مع عزيزة عن حديثه الشجي عن موطنه ومرتع طفولته وصباه في ربوع نجد المرية، بسهولها وتلالها الملونة وجناتها وحتى طيورها المغردة عبر مروجها العطرة.
كان ينشد لها وهو يتطلع إليها بعينين حالمتين:
ناپیژندل شوی مخ