457

بدر منیر

البدر المنير في معرفة الله العلي الكبير

ومن جهة السمع فقال تعالى: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} وقوله تعالى: {إلا ما آتاها} وقوله تعالى مخبرا بأنه تعالى قد جعل في المخلوق للعبادة بينة وصفة فاضلة للإسلام الكامل ويقدر صاحبها عليه قوله تعالى: {فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون} وقوله تعالى: {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون} وقوله تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} فأخبر تعالى بقوله تعالى: {فأقم وجهك للدين القيم} وهو الإسلام الكامل، ثم قال تعالى في ذلك: {ذلك الدين القيم} والقيم هو الإسلام الكامل قال تعالى مخبرا أنه تعالى فطر الخلق عليه أي خلقهم عليه وقابلين له فقال تعالى في ذلك: {فطرة الله التي فطر الناس عليها} يعني تعالى فطرهم تعالى قابلين لها، قادرين عليها بما ركب تعالى فيهم من العقول وجعل فيهم من القدرة، ثم قال تعالى بعد أن أخبر بما فطرهم عليه جميعهم من قبول الإسلام الكامل الذي هو الدين القيم: {ذلك الدين القيم} يعني تعالى بالقيم الكامل، ثم قال تعالى بعد ذلك مخبرا أنه لا يقدر أحد من المكلفين أن يبدل القدرة والعقل القابلين للإسلام الكامل فقال تعالى في ذلك: {لا تبديل لخلق الله} يعني تعالى لا أحد يقدر من العباد على تبديل القدرة والقبول للإسلام وبعكس الأمر إلى قبول الكفر أو الفسق فقط أبدا لا يكون ذلك ولا يقدر عليه بشر، وأما الله تعالى فهو يقدر على كل ما يعجز المخلوقون عن إيجاده لعجزهم وهو من جنس المقدورات ولكن لو جعلهم الله تعالى قادرين على الكفر دون الإيمان ثم كلفهم بالإيمان وهم لا يقدرون عليه ثم عاقبهم تعالى على تركه وكلفهم به وهم لا يقدرون عليه أو رضي لهم بالكفر المخالف لما قضى به عليهم عقلهم من الإسلام للذي خلقهم وأنعم عليهم لكان ذلك قبيحا عقلا والله يتعالى عنه وهو الغني الحميد، ولكان ذي ذلك إكذاب لقوله تعالى: {فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم} يعني تعالى أن الفطرة التي فطر الناس عليها لا يبدلها المخلوقون [114ب]لعجزهم ولا يبدلها الله تعالى إلى ضدها من الكفر والفسق لقبح ذلك في الحكمة، وقد قال تعالى: {ولا يرضى لعباده الكفر} ثم قال تعالى بعد ذلك: {ذلك الدين القيم} أي الفطرة التي خلق الخلق عليها ولا تبديل لها هي الدين القيم أي: الإسلام الكامل الذي هو الإيمان الكامل، إذ القيم هو المستوي على أحسن الأحوال وأرجحها في اللغة، ثم قال تعالى بعد ذلك إن الناس أكثرهم ضالون لا يتفكرون ولا يعملون تلك الفطرة فيعطوها حقها من الإقرار والامتثال والعمل فقال تعالى في ذلك: {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} يعني تعالى لا ينظرون ولا يتفكرون ولا يفعلون بتلك الفطرة ما وجب عليهم، وكذلك قال تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} فأخبر تعالى بصلاحية الكل للعبادة على قدر ما هو عليه من القدرة مع العقل الكامل الزائد على عقول الأطفال والبهائم وحصول العقل الكامل مع البلوغ الشرعي وكيف يقال إن الله تعالى خلق الجن والإنس ليعبدوه ثم لا يجعل فيهم قدرة وعقلا يقدرون معهما على فعل العبادة ويعلم تفصيلها تعالى الله عن قول أهل الزور، وقال تعالى: {وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا} يعني تعالى أشهدهم على أنفسهم كل قرن من القرون حال إكمال عقلهم بما ركب تعالى فيهم من العقول التي إن عملوا بما قضت به عليهم من الإسلام الكامل لم يكفروا ولم يفسقوا، ثم قال تعالى: {ألست بربكم قالوا {مقرين بما عرفوا}بلى شهدنا} يعني تعالى إنك ربنا دون غيرك ممن لا يضر ولا ينفع ولا يقدر على ما تقدر أنت عليه من الملائكة والإنس والجن والأصنام، ثم أكد تعالى الحجة عليهم فقال تعالى: {أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعده أفتهلكنا بما فعل المبطلون} أي: كنا ذراريهم ففعلنا كفعلهم فقد عرفناكم بوجوب الرجوع إلى ما قضت به عقولكم من الإسلام الكامل وقبح تقليد الآباء الكافرين والفاسقين في كفرهم وفسقهم الذي استقبحناه لكم ولهم واستقبحه ما ركبنا فيهم وفيكم من العقول، فتعالى الله الملك الجليل، الرحمن الرحيم.

قالت المجبرة لعنهم الله تعالى: إن الله تعالى يخلق الكفر والفسق في العبد ويخلق الإيمان في العبد ولا يقدر العبد على تحويل شيء من ذلك، والفعل فعل الله تعالى لا فعل العبد ولا يقدر العبد على شيء من ذلك.

لنا حجة عليهم ما تقدم من الأدلة كلها عقلا وسمعا وهي محكمة إجماعا يكفر مخالفها ورادها أو معانيها إجماعا ولا يصح النسخ لها إجماعا وبالشرع والعقل والحس المعلوم ضرورة وجوب نسبة الفعل إلى فاعله.

فإذا قالت الجبرية: أفعال العبيد فعل الله تعالى، فلا محيص لهم من أن ينسبوا إلى الله تعالى فعل العبيد فيقولوا: إن الله تعالى عاص وذلك كفر شرك إجماعا، ويلزمهم أن يقولوا إرسال الرسل عبثا لأنه لا يصلح أن الله تعالى يأمرهم أن ينهوه تعالى عن فعله.

وإن قالوا: فعل الله وكسب العبد فلا محيص لهم مما تقدم، وإن يقولوا: الله تعالى والعبيد عاصيان، وهذا كفر صريح لا شك فيه.

مخ ۲۲۷