558

واختلف أهل البحث في معنى قوله: { وهو العلى } فقال بعضهم: يعني بذلك وهو العلي عن النظير والأشباه. وأنكروا أن يكون معنى ذلك: وهو العلي المكان، وقالوا: غير جائز أن يخلو منه مكان، ولا معنى لوصفه بعلو المكان لأن ذلك وصفه بأنه في مكان دون مكان. وقال آخرون: معنى ذلك: وهو العلي على خلقه بارتفاع مكانه عن أماكن خلقه، لأنه تعالى ذكره فوق جميع خلقه وخلقه دونه، كما وصف به نفسه أنه على العرش، فهو عال بذلك عليهم. وكذلك اختلفوا في معنى قوله: { العظيم } فقال بعضهم: معنى العظيم في هذا الموضع: المعظم صرف المفعل إلى فعيل، كما قيل للخمر المعتقة: خمر عتيق، كما قال الشاعر:

وكأن الخمر العتيق من الإسفنط

ممزوجة بماء زلال

وإنما هي معتقة. قالوا: فقوله «العظيم» معناه: المعظم الذي يعظمه خلقه ويهابونه ويتقونه. قالوا: وإما يحتمل قول القائل: هو عظيم أحد معنيين: أحدهما: ما وصفنا من أنه معظم والآخر: أنه عظيم في المساحة والوزن. قالوا: وفي بطول القول بأن يكون معنى ذلك: أنه عظيم في المساحة والوزن صحة القول بما قلنا. وقال آخرون: بل تأويل قوله: { العظيم } هو أن له عظمة هي له صفة. وقالوا: لا نصف عظمته بكيفية، ولكنا نضيف ذلك إليه من جهة الإثبات، وننفي عنه أن يكون ذلك على معنى مشابهة العظم المعروف من العباد، لأن ذلك تشبيه له بخلقه، وليس كذلك. وأنكر هؤلاء ما قاله أهل المقالة التي قدمنا ذكرها، وقالوا: لو كان معنى ذلك أنه معظم، لوجب أن يكون قد كان غير عظيم قبل أن يخلق الخلق، وأن يبطل معنى ذلك عند فناء الخلق، لأنه لا معظم له في هذه الأحوال. وقال آخرون: بل قوله: إنه العظيم وصف منه نفسه بالعظم. وقالوا: كل ما دونه من خلقه فبمعنى الصغر لصغرهم عن عظمته.

[2.256]

اختلف أهل التأويل في معنى ذلك، فقال بعضهم: نزلت هذه الآية في قوم من الأنصار، أو في رجل منهم كان لهم أولاد قد هودوهم أو نصروهم فلما جاء الله بالإسلام أرادوا إكراههم عليه، فنهاهم الله عن ذلك، حتى يكونوا هم يختارون الدخول في الإسلام. ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا ابن أبي عدي، عن شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كانت المرأة تكون مقلاتا، فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوده فلما أجليت بنو النضير كان فيهم من أبناء الأنصار، فقالوا: لا ندع أبناءنا فأنزل الله تعالى ذكره: { لا إكراه فى الدين قد تبين الرشد من الغي }. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا سعيد، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، قال: كانت المرأة تكون مقلى ولا يعيش لها ولد قال شعبة: وإنما هو مقلات ، فتجعل عليها إن بقي لها ولد لتهودنه. قال: فلما أجليت بنو النضير كان فيهم منهم، فقالت الأنصار: كيف نصنع بأبنائنا؟ فنزلت هذه الآية: { لا إكراه فى الدين قد تبين الرشد من الغي } قال: من شاء أن يقيم أقام، ومن شاء أن يذهب ذهب. حدثنا حميد بن مسعدة، قال: ثنا بشر بن المفضل، قال: ثنا داود، وحدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن داود، عن عامر، قال: كانت المرأة من الأنصار تكون مقلاتا لا يعيش لها ولد، فتنذر إن عاش ولدها أن تجعله مع أهل الكتاب على دينهم. فجاء الإسلام وطوائف من أبناء الأنصار على دينهم، فقالوا: إنما جعلناهم على دينهم، ونحن نرى أن دينهم أفضل من ديننا، وإذ جاء الله بالإسلام فلنكرهنهم فنزلت: { لا إكراه فى الدين } فكان فصل ما بين من اختار اليهودية والإسلام، فمن لحق بهم اختار اليهودية، ومن أقام اختار الإسلام. ولفظ الحديث لحميد. حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا معتمر بن سليمان، قال: سمعت داود، عن عامر، بنحو معناه، إلا أنه قال: فكان فصل ما بينهم إجلاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بني النضير، فلحق بهم من كان يهوديا ولم يسلم منهم، وبقي من أسلم. حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا داود، عن عامر بنحوه، إلا أنه قال: إجلاء النضير إلى خيبر، فمن اختار الإسلام أقام، ومن كره لحق بخيبر. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن أبي إسحاق، عن محمد بن أبي محمد الحرشي مولى زيد بن ثابت عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قوله: { لا إكراه فى الدين قد تبين الرشد من الغي } قال: نزلت في رجل من الأنصار من بني سالم بن عوف يقال له الحصين كان له ابنان نصرانيان، وكان هو رجلا مسلما، فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: ألا أستكرههما فإنهما قد أبيا إلا النصرانية؟ فأنزل الله فيه ذلك.

حدثني المثنى قال: ثنا حجاج بن المنهال، قال: ثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، قال: سألت سعيد بن جبير عن قوله: { لا إكراه فى الدين قد تبين الرشد من الغي } قال: نزلت هذه في الأنصار. قال: قلت خاصة؟ قال: خاصة. قال: كانت المرأة في الجاهلية تنذر إن ولدت ولدا أن تجعله في اليهود تلتمس بذلك طول بقائه. قال: فجاء الإسلام وفيهم منهم فلما أجليت النضير، قالوا: يا رسول الله، أبناؤنا وإخواننا فيهم، قال: فسكت عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى ذكره: { لا إكراه فى الدين قد تبين الرشد من الغي } قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" قد خير أصحابكم، فإن اختاروكم فهم منكم، وإن اختاروهم فهم منهم "

قال: فأجلوهم معهم. حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي قوله: { لا إكراه فى الدين قد تبين الرشد من الغي } إلى: { لا انفصام لها } قال: نزلت في رجل من الأنصار يقال له أبو الحصين: كان له ابنان، فقدم تجار من الشام إلى المدينة يحملون الزيت فلما باعوا وأرادوا أن يرجعوا أتاهم ابنا أبي الحصين، فدعوهما إلى النصرانية فتنصرا، فرجعا إلى الشام معهم. فأتى أبوهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إن ابني تنصرا وخرجا، فأطلبهما؟ فقال:

" لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي "

अज्ञात पृष्ठ