559

ولم يؤمر يومئذ بقتال أهل الكتاب. وقال:

" أبعدهما الله هما أول من كفر "

فوجد أبو الحصين في نفسه على النبي صلى الله عليه وسلم حين لم يبعث في طلبهما، فنزلت:

فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا فى أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما

[النساء: 65] ثم إنه نسخ: { لا إكراه فى الدين } فأمر بقتال أهل الكتاب في سورة براءة. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: { لا إكراه فى الدين } قال: كانت في اليهود يهود أرضعوا رجالا من الأوس، فلما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإجلائهم، قال أبناؤهم من الأوس: لنذهبن معهم، ولندينن بدينهم فمنعهم أهلوهم، وأكرهوهم على الإسلام، ففيهم نزلت هذه الآية. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، وحدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد جميعا، عن سفيان، عن خصيف، عن مجاهد: { لا إكراه فى الدين } قال: كان ناس من الأنصار مسترضعين في بني قريظة، فأرادوا أن يكرهوهم على الإسلام، فنزلت: { لا إكراه فى الدين قد تبين الرشد من الغي }.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني الحجاج، عن ابن جريج، قال: قال مجاهد: كانت النضير يهودا فأرضعوا. ثم ذكر نحو حديث محمد بن عمرو، عن أبي عاصم. قال ابن جريج: وأخبرني عبد الكريم، عن مجاهد أنهم كانوا قد دان بدينهم أبناء الأوس، دانوا بدين النضير. حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي: أن المرأة من الأنصار كانت تنذر إن عاش ولدها لتجعلنه في أهل الكتاب فلما جاء الإسلام قالت الأنصار: يا رسول الله ألا نكره أولادنا الذين هم في يهود على الإسلام، فإنا إنما جعلناهم فيها ونحن نرى أن اليهودية أفضل الأديان؟ فلما إذ جاء الله بالإسلام، أفلا نكرههم على الإسلام؟ فأنزل الله تعالى ذكره: { لا إكراه فى الدين قد تبين الرشد من الغي }. حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن داود، عن الشعبي مثله، وزاد: قال: كان فصل ما بين من اختار اليهود منهم وبين من اختار الإسلام، إجلاء بني النضير فمن خرج مع بني النضير كان منهم، ومن تركهم اختار الإسلام. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: { لا إكراه فى الدين } إلى قوله: { بالعروة الوثقى } قال: هذا منسوخ. حدثني سعيد بن الربيع الرازي، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، ووائل، عن الحسن: أن أناسا من الأنصار كانوا مسترضعين في بني النضير، فلما أجلوا، أراد أهلوهم أن يلحقوهم بدينهم، فنزلت: { لا إكراه فى الدين }. وقال آخرون: بل معنى ذلك: لا يكره أهل الكتاب على الدين إذا بذلوا الجزية، ولكنهم يقرون على دينهم. وقالوا: الآية في خاص من الكفار، ولم ينسخ منها شيء. ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: { لا إكراه فى الدين قد تبين الرشد من الغي } قال: أكره عليه هذا الحي من العرب، لأنهم كانوا أمة أمية، ليس لهم كتاب يعرفونه، فلم يقبل منهم غير الإسلام، ولا يكره عليه أهل الكتاب إذا أقروا بالجزية أو بالخراج، ولم يفتنوا عن دينهم، فيخلى عنهم. حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا سليمان، قال: ثنا أبو هلال، قال: ثنا قتادة في قوله: { لا إكراه فى الدين } قال: هو هذا الحي من العرب أكرهوا على الدين، لم يقبل منهم إلا القتل أو الإسلام، وأهل الكتاب قبلت منهم الجزية ولم يقتلوا.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا الحكم بن بشير، قال: ثنا عمرو بن قيس، عن جويبر، عن الضحاك في قوله: { لا إكراه فى الدين } قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقاتل جزيرة العرب من أهل الأوثان، فلم يقبل منهم إلا «لا إله إلا الله»، أو السيف. ثم أمر فيمن سواهم بأن يقبل منهم الجزية فقال: { لا إكراه فى الدين قد تبين الرشد من الغي }. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: { لا إكراه فى الدين } قال: كانت العرب ليس لها دين، فأكرهوا على الدين بالسيف، قال: ولا يكره اليهود ولا النصارى والمجوس إذا أعطوا الجزية. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، قال: سمعت مجاهدا يقول لغلام له نصراني: يا جرير أسلم ثم قال: هكذا كان يقال لهم. حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: { لا إكراه فى الدين قد تبين الرشد من الغي } قال: وذلك لما دخل الناس في الإسلام، وأعطى أهل الكتاب الجزية. وقال آخرون: هذه الآية منسوخة، وإنما نزلت قبل أن يفرض القتال. ذكر من قال ذلك: حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يعقوب بن عبد الرحمن الزهري قال: سألت زيد بن أسلم عن قول الله تعالى ذكره: { لا إكراه فى الدين } قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة عشر سنين لا يكره أحدا في الدين، فأبى المشركون إلا أن يقاتلوهم، فاستأذن الله في قتالهم، فأذن له. وأولى هذه الأقوال بالصواب قول من قال: نزلت هذه الآية في خاص من الناس، وقال: عنى بقوله تعالى ذكره: { لا إكراه فى الدين } أهل الكتابين والمجوس، وكل من جاء إقراره على دينه المخالف دين الحق، وأخذ الجزية منه. وأنكروا أن يكون شيء منها منسوخا. وإنما قلنا هذا القول أولى الأقوال في ذلك بالصواب لما قد دللنا عليه في كتابنا كتاب «اللطيف من البيان عن أصول الأحكام» من أن الناسخ غير كائن ناسخا إلا ما نفى حكم المنسوخ، فلم يجز اجتماعهما. فأما ما كان ظاهره العموم من الأمر والنهي وباطنه الخصوص، فهو من الناسخ والمنسوخ بمعزل. وإذ كان ذلك كذلك، وكان غير مستحيل أن يقال: لا إكراه لأحد ممن أخذت منه الجزية في الدين، ولم يكن في الآية دليل على أن تأويلها بخلاف ذلك، وكان المسلمون جميعا قد نقلوا عن نبيهم صلى الله عليه وسلم أنه أكره على الإسلام قوما، فأبى أن يقبل منهم إلا الإسلام، وحكم بقتلهم إن امتنعوا منه، وذلك كعبدة الأوثان من مشركي العرب، وكالمرتد عن دينه دين الحق إلى الكفر ومن أشبههم، وأنه ترك إكراه آخرين على الإسلام بقبوله الجزية منه، وإقراره على دينه الباطل، وذلك كأهل الكتابين، ومن أشبههم كان بينا بذلك أن معنى قوله: { لا إكراه فى الدين } إنما هو لا إكراه في الدين لأحد ممن حل قبول الجزية منه بأدائه الجزية، ورضاه بحكم الإسلام.

ولا معنى لقول من زعم أن الآية منسوخة الحكم بالإذن بالمحاربة. فإن قال قائل: فما أنت قائل فيما روي عن ابن عباس وعمن روي عنه: من أنها نزلت في قوم من الأنصار أرادوا أن يكرهوا أولادهم على الإسلام؟ قلنا: ذلك غير مدفوعة صحته، ولكن الآية قد تنزل في خاص من الأمر، ثم يكون حكمها عاما في كل ما جانس المعنى الذي أنزلت فيه. فالذين أنزلت فيهم هذه الآية على ما ذكر ابن عباس وغيره، إنما كانوا قوما دانوا بدين أهل التوراة قبل ثبوت عقد الإسلام لهم، فنهى الله تعالى ذكره عن إكراههم على الإسلام، وأنزل بالنهي عن ذلك آية يعم حكمها كل من كان في مثل معناهم ممن كان على دين من الأديان التي يجوز أخذ الجزية من أهلها، وإقرارهم عليها على النحو الذي قلنا في ذلك. ومعنى قوله: { لا إكراه فى الدين } لا يكره أحد في دين الإسلام عليه، وإنما أدخلت الألف واللام في الدين تعريفا للدين الذي عنى الله بقوله: لا إكراه فيه، وأنه هو الإسلام. وقد يحتمل أن يكون أدخلتا عقيبا من الهاء المنوية في الدين، فيكون معنى الكلام حينئذ: وهو العلي العظيم لا إكراه في دينه، قد تبين الرشد من الغي. وكأن هذا القول أشبه بتأويل الآية عندي. وأما قوله: { قد تبين الرشد } فإنه مصدر من قول القائل: رشدت فأنا أرشد رشدا ورشدا ورشادا، وذلك إذا أصاب الحق والصواب. وأما الغي، فإنه مصدر من قول القائل: قد غوى فلان فهو يغوى غيا وغواية. وبعض العرب يقول: غوى فلان يغوى. والذي عليه قراءة القراء:

ما ضل صحبكم وما غوى

[النجم: 2] بالفتح، وهي أفصح اللغتين، وذلك إذا عدا الحق وتجاوزه فضل. فتأويل الكلام إذا: قد وضح الحق من الباطل، واستبان لطالب الحق والرشاد وجه مطلبه، فتميز من الضلالة والغواية، فلا تكرهوا من أهل الكتابين، ومن أبحت لكم أخذ الجزية منه، على دينكم، دين الحق فإن من حاد عن الرشاد بعد استبانته له، فإلى ربه أمره، وهو ولي عقوبته في معاده. اختلف أهل التأويل في معنى الطاغوت، فقال بعضهم: هو الشيطان. ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن حسان بن فائد العنسى قال: قال عمر بن الخطاب: الطاغوت: الشيطان.

अज्ञात पृष्ठ