जामे बयान
جامع البيان في تفسير القرآن
وكان التابوت حين استبي قد جعل في قرية من قرى فلسطين، يقال لها: أردن، فكانوا قد جعلوا التابوت في كنيسة فيها أصنامهم. فلما كان من أمر النبي صلى الله عليه وسلم ما كان من وعد بني إسرائيل أن التابوت سيأتيهم، جعلت أصنامهم تصبح في الكنيسة منكسة على رءوسها، وبعث الله على أهل تلك القرية فأرا، تثبت الفأرة الرجل فيصبح ميتا قد أكلت ما في جوفه من دبره. قالوا: تعلمون والله لقد أصابكم بلاء ما أصاب أمة من الأمم قبلكم، وما نعلمه أصابنا إلا مذ كان هذا التابوت بين أظهرنا، مع أنكم قد رأيتم أصنامكم تصبح كل غداة منكسة شيء لم يكن يصنع بها حتى كان هذا التابوت معها، فأخرجوه من بين أظهركم فدعوا بعجلة فحملوا عليها التابوت، ثم علقوها بثورين، ثم ضربوا على جنوبهما، وخرجت الملائكة بالثورين تسوقهما، فلم يمر التابوت بشيء من الأرض إلا كان قدسا، فلم يرعهم إلا التابوت على عجلة يجرها الثوران، حتى وقف على بني إسرائيل، فكبروا وحمدوا الله، وجدوا في حربهم واستوثقوا على طالوت. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: لما قال لهم نبيهم: إن الله اصطفى طالوت عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم، أبوا أن يسلموا له الرياسة حتى قال لهم: { إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم } فقال لهم: أرأيتم إن جاءكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة. وكان موسى حين ألقى الألواح تكسرت، ورفع منها، فنزل، فجمع ما بقي، فجعله في ذلك التابوت. قال ابن جريج: أخبرني يعلى بن مسلم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أنه لم يبق من الألواح إلا سدسها. قال: وكانت العمالقة قد سبت ذلك التابوت، والعمالقة فرقة من عاد كانوا بأريحا فجاءت الملائكة بالتابوت تحمله بين السماء والأرض، وهم ينظرون إلى التابوت حتى وضعته عند طالوت، فلما رأوا ذلك قالوا: نعم فسلموا له وملكوه. قال: وكان الأنبياء إذا حضروا قتالا قدموا التابوت بين يديهم ويقولون: إن آدم نزل بذلك التابوت وبالركن. وبلغني أن التابوت وعصا موسى في بحيرة طبرية، وأنهما يخرجان قبل يوم القيامة. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا عبد الصمد بن معقل أنه سمع وهب بن منبه يقول: إن أرميا لما خرب بيت المقدس وحرق الكتب، وقف في ناحية الجبل، فقال:
أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مئة عام
[البقرة: 259] ثم رد الله من رد من بني إسرائيل على رأس سبعين سنة من حين أماته، يعمرونها ثلاثين سنة تمام المائة فلما ذهبت المائة رد الله إليه روحه وقد عمرت، فهي على حالتها الأولى فلما أراد أن يرد عليهم التابوت، أوحى الله إلى نبي من أنبيائهم، إما دانيال وإما غيره، إن كنتم تريدون أن يرفع عنكم المرض، فأخرجوا عنكم هذا التابوت قالوا: بآية ماذا؟ قال: بآية أنكم تأتون ببقرتين صعبتين لم يعملا عملا قط، فإذا نظرتا إليه وضعتا أعناقهم للنير حتى يشد عليهما، ثم يشد التابوت على عجل، ثم يعلق على البقرتين، ثم تخليان فتسيران حيث يريد الله أن يبلغهما ففعلوا ذلك.
ووكل الله بهما أربعة من الملائكة يسوقونهما. فسارت البقرتان سيرا سريعا، حتى إذا بلغتا طرف القدس كسرتا نيرهما، وقطعتا حبالهما، وذهبتا، فنزل إليهما داود ومن معه. فلما رأى داود التابوت، حجل إليه فرحا به فقلنا لوهب: ما حجل إليه؟ قال: شبيه بالرقص فقالت له امرأته: لقد خففت حتى كاد الناس يمقتونك لما صنعت، قال: أتبطئيني عن طاعة ربي؟ لا تكونين لي زوجة بعد هذا ففارقها. وقال آخرون: بل التابوت الذي جعله الله آية لملك طالوت كان في البرية، وكان موسى صلى الله عليه وسلم خلفه عند فتاه يوشع، فحملته الملائكة حتى وضعته في دار طالوت. ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة في قوله: { إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم... } الآية. كان موسى تركه عند فتاه يوشع بن نون وهو بالبرية، وأقبلت به الملائكة تحمله حتى وضعته في دار طالوت، فأصبح في داره. حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: { إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت... } الآية، قال: كان موسى فيما ذكر لنا ترك التابوت عند فتاه يوشع بن نون وهو في البرية، فذكر لنا أن الملائكة حملته من البرية حتى وضعته في دار طالوت، فأصبح التابوت في داره. وأولى القولين في ذلك بالصواب، ما قاله ابن عباس ووهب بن منبه من أن التابوت كان عند عدو لبني إسرائيل كان سلبهموه، وذلك أن الله تعالى ذكره قال مخبرا عن نبيه في ذلك الزمان قوله لقومه من بني إسرائيل: { إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت } والألف واللام لا تدخلان في مثل هذا من الأسماء إلا في معروف عند المتخاطبين به، وقد عرفه المخبر والمخبر. فقد علم بذلك أن معنى الكلام: أن آية ملكه أن يأتيكم التابوت الذي قد عرفتموه الذي كنتم تستنصرون به، فيه سكينة من ربكم. ولو كان ذلك تابوتا من التوابيت غير معلوم عندهم قدره ومبلغ نفعه قبل ذلك لقيل: إن آية ملكه أن يأتيكم تابوت فيه سكينة من ربكم.
فإن ظن ذو غفلة أنهم كانوا قد عرفوا ذلك التابوت وقدر نفعه وما فيه وهو عند موسى ويوشع، فإن ذلك ما لا يخفى خطؤه وذلك أنه لم يبلغنا أن موسى لاقى عدوا قط بالتابوت، ولا فتاه يوشع، بل الذي يعرف من أمر موسى وأمر فرعون ما قص الله من شأنهما، وكذلك أمره وأمر الجبارين. وأما فتاه يوشع، فإن الذين قالوا هذه المقالة زعموا أن يوشع خلفه في التيه حتى رد عليهم حين ملك طالوت، فإن كان الأمر على ما وصفوه، فأي الأحوال للتابوت الحال التي عرفوه فيها، فجاز أن يقال: إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت الذي قد عرفتموه، وعرفتم أمره؟ ففساد هذا القول بالذي ذكرنا أبين الدلالة على صحة القول الآخر، إذ لا قول في ذلك لأهل التأويل غيرهما. وكانت صفة التابوت فيما بلغنا كما: حدثنا محمد بن عسكر والحسن بن يحيى، قالا: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا بكار بن عبد الله، قال: سألنا وهب بن منبه عن تابوت موسى ما كان؟ قال: كان نحوا من ثلاثة أذرع في ذراعين. القول في تأويل قوله تعالى: { فيه سكينة من ربكم }. يعني تعالى ذكره بقوله: { فيه } في التابوت { سكينة من ربكم }. واختلف أهل التأويل في معنى السكينة، فقال بعضهم: هي ريح هفافة لها وجه كوجه الإنسان. ذكر من قال ذلك: حدثنا عمران بن موسى، قال: ثنا عبد الوارث بن سعيد، قال: ثنا محمد بن جحادة، عن سلمة بن كهيل، عن أبي وائل، عن علي بن أبي طالب، قال: السكينة: ريح هفافة لها وجه كوجه الإنسان. حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا سفيان، وحدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن أبي الأحوص، عن علي، السكينة لها وجه كوجه الإنسان، ثم هي ريح هفافة. حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، عن العوام بن حوشب، عن سلمة بن كهيل، عن علي بن أبي طالب في قوله: { فيه سكينة من ربكم } قال: ريح هفافة لها صورة. وقال يعقوب في حديثه: لها وجه، وقال ابن المثنى: كوجه الإنسان. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن سلمة بن كهيل، قال: قال علي: السكينة لها وجه كوجه الإنسان، وهي ريح هفافة. حدثنا هناد بن السري، قال: ثنا أبو الأحوص، عن سماك بن حرب، عن خالد بن عرعرة، قال: قال علي: السكينة: ريح خجوج، ولها رأسان. حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن سماك، قال: سمعت خالد بن عرعرة يحدث عن علي، نحوه. حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، وحماد بن سلمة، وأبو الأحوص، كلهم عن سماك، عن خالد بن عرعرة، عن علي، نحوه.
وقال آخرون: لها رأس كرأس الهرة وجناحان. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله تعالى: { فيه سكينة من ربكم } قال: أقبلت السكينة وجبريل مع إبراهيم من الشام قال ابن أبي نجيح: سمعت مجاهدا يقول: السكينة لها رأس كرأس الهرة وجناحان. حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، نحوه. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، قال: ثنا سفيان، عن ليث، عن مجاهد، قال: السكينة لها جناحان وذنب. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: لها جناحان وذنب مثل ذنب الهرة. وقال آخرون: بل هي رأس هرة ميتة. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن وهب بن منبه، عن بعض أهل العلم من بني إسرائيل، قال: السكينة رأس هرة ميتة كانت إذا صرخت في التابوت بصراخ هر أيقنوا بالنصر وجاءهم الفتح. وقال آخرون: إنما هي طست من ذهب من الجنة كان يغسل فيه قلوب الأنبياء. ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عثمان بن سعيد، قال: ثنا الحكم بن ظهير، عن السدي، عن أبي مالك، عن ابن عباس: { فيه سكينة من ربكم } قال: طست من ذهب من الجنة، كان يغسل فيه قلوب الأنبياء. حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { فيه سكينة من ربكم } السكينة: طست من ذهب يغسل فيها قلوب الأنبياء، أعطاها الله موسى، وفيها وضع الألواح وكانت الألواح فيما بلغنا من در وياقوت وزبرجد. وقال آخرون: السكينة: روح من الله يتكلم. ذكر من قال ذلك: حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا بكار بن عبد الله، قال: سألنا وهب بن منبه، فقلنا له: السكينة؟ قال: روح من الله يتكلم إذا اختلفوا في شيء تكلم، فأخبرهم ببيان ما يريدون. حدثنا محمد بن عسكر، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: ثنا بكار بن عبد الله أنه سمع وهب بن منبه فذكر نحوه. وقال آخرون: السكينة: ما يعرفون من الآيات فيسكنون إليه. ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: سألت عطاء بن أبي رباح عن قوله: { فيه سكينة من ربكم... } الآية. قال: أما السكينة: فما تعرفون من الآيات تسكنون إليها. وقال آخرون: السكينة: الرحمة. ذكر من قال ذلك: حدثت عن عمار بن الحسن، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: { فيه سكينة من ربكم } أي رحمة من ربكم.
وقال آخرون: السكينة: هي الوقار. ذكر من قال ذلك: حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: { فيه سكينة من ربكم } أي وقار. وأولى هذه الأقوال بالحق في معنى السكينة، ما قاله عطاء بن أبي رباح من الشيء تسكن إليه النفوس من الآيات التي تعرفونها. وذلك أن السكينة في كلام العرب الفعيلة من قول القائل: سكن فلان إلى كذا وكذا: إذا اطمأن إليه وهدأت عنده نفسه، فهو يسكن سكونا وسكينة، مثل قولك: عزم فلان هذا الأمر عزما وعزيمة، وقضى الحاكم بين القوم قضاء وقضية، ومنه قول الشاعر :
لله قبر غالها ماذا يج
ن لقد أجن سكينة ووقارا
وإذا كان معنى السكينة ما وصفت، فجائز أن يكون ذلك على ما قاله علي بن أبي طالب على ما روينا عنه، وجائز أن يكون ذلك على ما قاله مجاهد على ما حكينا عنه، وجائز أن يكون ما قاله وهب بن منبه، وما قاله السدي لأن كل ذلك آيات كافيات تسكن إليهن النفوس وتثلج بهن الصدور. وإذا كان معنى السكينة ما وصفنا، فقد اتضح أن الآية التي كانت في التابوت التي كانت النفوس تسكن إليها لمعرفتها بصحة أمرها إنما هي مسماة بالفعل، وهي غيره لدلالة الكلام عليه. القول في تأويل قوله تعالى: { وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون }. يعني تعالى ذكره بقوله: وبقيةالشيء الباقي من قول القائل: قد بقي من هذا الأمر بقية، وهي فعيلة منه، نظير السكينة من سكن. وقوله: { مما ترك آل موسى وآل هارون } يعني به: من تركة آل موسى، وآل هارون. واختلف أهل التأويل في البقية التي كانت بقيت من تركتهم، فقال بعضهم: كانت تلك البقية عصا موسى، ورضاض الألواح. ذكر من قال ذلك: حدثنا حميد بن مسعدة، قال: ثنا بشر بن المفضل، قال: ثنا داود، عن عكرمة، قال: أحسبه عن ابن عباس أنه قال في هذه الآية: { وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون } قال: رضاض الألواح. حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع، قال: ثنا بشر، قال: ثنا داود، عن عكرمة، قال داود: وأحسبه عن ابن عباس، مثله. حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا حماد، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس في هذه الآية: { وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون } قال: عصا موسى ورضاض الألواح. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: { وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون } قال: فكان في التابوت عصا موسى ورضاض الألواح، فيما ذكر لنا.
अज्ञात पृष्ठ