545

يعني تعالى ذكره بذلك: وقال للملأ من بني إسرائيل نبيهم شمويل: إن الله قد أعطاكم ما سألتم، وبعث لكم طالوت ملكا. فلما قال لهم نبيهم شمويل ذلك، قالوا: أنى يكون لطالوت الملك علينا، وهو من سبط بنيامين بن يعقوب، وسبط بنيامين سبط لا ملك فيهم ولا نبوة، ونحن أحق بالملك منه، لأنا من سبط يهوذا بن يعقوب، { ولم يؤت سعة من المال } يعني: ولم يؤت طالوت كثيرا من المال، لأنه سقاء، وقيل كان دباغا. وكان سبب تمليك الله طالوت على بني إسرائيل وقولهم ما قالوا لنبيهم شمويل: { أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال } ما: حدثنا به ابن حميد، قال: حدثنا سلمة بن الفضل، قال: حدثني محمد بن إسحاق، قال: حدثني بعض أهل العلم، عن وهب بن منبه قال: لما قال الملأ من بني إسرائيل لشمويل بن بالي ما قالوا له، سأل الله نبيهم شمويل أن يبعث لهم ملكا، فقال الله له: انظر القرن الذي فيه الدهن في بيتك، فإذا دخل عليك رجل فنش الدهن الذي في القرن، فهو ملك بني إسرائيل، فادهن رأسه منه، وملكه عليهم وأخبره بالذي جاءه. فأقام ينتظر متى ذلك الرجل داخلا عليه. وكان طالوت رجلا دباغا يعمل الأدم، وكان من سبط بنيامين بن يعقوب، وكان سبط بنيامين سبطا لم يكن فيهم نبوة ولا ملك. فخرج طالوت في طلب دابة له أضلته ومعه غلام له، فمرا ببيت النبي عليه السلام، فقال غلام طالوت لطالوت: لو دخلت بنا على هذا النبي فسألناه عن أمر دابتنا فيرشدنا ويدعو لنا فيها بخير؟ فقال طالوت: ما بما قلت من بأس فدخلا عليه، فبينما هما عنده يذكران له شأن دابتهما، ويسألانه أن يدعو لهما فيها، إذ نش الدهن الذي في القرن، فقام إليه النبي عليه السلام فأخذه، ثم قال لطالوت: قرب رأسك فقربه، فدهنه منه ثم قال: أنت ملك بني إسرائيل الذي أمرني الله أن أملكك عليهم. وكان اسم طالوت بالسريانية: شادل بن قيس بن أبيال بن ضرار بن يحرب بن أفيح بن آيس بن بنيامين بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم. فجلس عنده وقال الناس: ملك طالوت. فأتت عظماء بني إسرائيل نبيهم وقالوا له: ما شأن طالوت يملك علينا وليس في بيت النبوة ولا المملكة؟ قد عرفت أن النبوة والملك في آل لاوي وآل يهوذا فقال لهم: { إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم }. حدثنا المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا إسماعيل، عن عبد الكريم، عن عبد الصمد بن معقل، عن وهب بن منبه، قال: قالت بنو إسرائيل لشمويل: ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله قال: قد كفاكم الله القتال قالوا: إنا نتخوف من حولنا فيكون لنا ملك نفزع إليه فأوحى الله إلى شمويل أن ابعث لهم طالوت ملكا، وادهنه بدهن القدس.

وضلت حمر لأبي طالوت، فأرسله وغلاما له يطلبانها، فجاءوا إلى شمويل يسألونه عنها، فقال: إن الله قد بعثك ملكا على بني إسرائيل قال: أنا؟ قال: نعم. قال: وما علمت أن سبطي أدنى أسباط بني إسرائيل؟ قال: بلى. قال: وما علمت أن قبيلتي أدنى قبائل سبطي؟ قال: بلى. قال: أما علمت أن بيتي أدنى بيوت قبيلتي؟ قال: بلى. قال: فبأية آية؟ قال: بآية أنك ترجع وقد وجد أبوك حمره، وإذا كنت بمكان كذا وكذا نزل عليك الوحي. فدهنه بدهن القدس، فقال لبني إسرائيل: { إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا قالوا أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال قال إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم }. حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي، قال: لما كذبت بنو إسرائيل شمعون، وقالوا له: إن كنت صادقا فابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله آية من نبوتك قال لهم شمعون : عسى أن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا. { قالوا وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله... } الآية. دعا الله فأتى بعصا تكون مقدارا على طول الرجل الذي يبعث فيهم ملكا، فقال: إن صاحبكم يكون طوله طول هذه العصا. فقاسوا أنفسهم بها، فلم يكونوا مثلها. وكان طالوت رجلا سقاء يسقي على حمار له، فضل حماره، فانطلق يطلبه في الطريق، فلما رأوه دعوه فقاسوه بها، فكان مثلها، فقال لهم نبيهم: { إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا } قال القوم: ما كنت قط أكذب منك الساعة، ونحن من سبط المملكة وليس هو من سبط المملكة، ولم يؤت سعة من المال فنتبعه لذلك فقال النبي: { إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم }. حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي، قال: حدثنا أبو أحمد الزبيري، قال: حدثنا شريك، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، قال: كان طالوت سقاء يبيع الماء. حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد عن قتادة قال: بعث الله طالوت ملكا، وكان من سبط بنيامين سبط لم يكن فيهم مملكة ولا نبوة. وكان في بني إسرائيل سبطان: سبط نبوة، وسبط مملكة، وكان سبط النبوة لاوي إليه موسى وسبط المملكة يهوذا إليه داود وسليمان. فلما بعث من غير سبط النبوة والمملكة أنكروا ذلك وعجبوا منه وقالوا: { أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه } قالوا: وكيف يكون له الملك علينا، وليس من سبط النبوة، ولا من سبط المملكة فقال الله تعالى ذكره: { إن الله اصطفاه عليكم }.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: { ابعث لنا ملكا } قال لهم نبيهم: { إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا قالوا أنى يكون له الملك علينا } قال: وكان من سبط لم يكن فيهم ملك ولا نبوة، فقال: { إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم }. حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك في قوله: { وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا } وكان في بني إسرائيل سبطان: سبط نبوة، وسبط خلافة. فلذلك قالوا { أنى يكون له الملك علينا } يقولون: ومن أين يكون له الملك علينا، وليس من سبط النبوة، ولا سبط الخلافة قال { إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم }. حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، قال: حدثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك بن مزاحم يقول في قوله: { أنى يكون له الملك علينا } فذكر نحوه. حدثت عن عمار بن الحسن، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قال: لما قالت بنو إسرائيل لنبيهم: سل ربك أن يكتب علينا القتال فقال لهم ذلك النبي: { هل عسيتم إن كتب عليكم القتال... } الآية. قال: فبعث الله طالوت ملكا. قال: وكان في بني إسرائيل سبطان: سبط نبوة، وسبط مملكة، ولم يكن طالوت من سبط النبوة ولا من سبط المملكة. فلما بعث لهم ملكا أنكروا ذلك، وعجبوا وقالوا: { أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال } قالوا: وكيف يكون له الملك علينا وليس من سبط النبوة ولا من سبط المملكة فقال: { إن الله اصطفاه عليكم... } الآية. حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قال: أما ذكر طالوت إذ قالوا: { أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال } فإنهم لم يقولوا ذلك إلا أنه كان في بني إسرائيل سبطان، كان في أحدهما النبوة، وكان في الآخر الملك، فلا يبعث إلا من كان من سبط النبوة، ولا يملك على الأرض أحد إلا من كان من سبط الملك. وإنه ابتعث طالوت حين ابتعثه وليس من أحد السبطين، واختاره عليهم وزاده بسطة في العلم والجسم ومن أجل ذلك قالوا: { أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه } وليس من واحد من السبطين، قال: { إن الله اصطفاه عليكم } إلى: { والله واسع عليم }. حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس قوله: { ألم تر إلى الملإ من بني إسرائيل من بعد موسى.

.. } الآية. هذا حين رفعت التوراة واستخرج أهل الإيمان، وكانت الجبابرة قد أخرجتهم من ديارهم وأبنائهم فلما كتب عليهم القتال وذلك حين أتاهم التابوت قال: وكان من بني إسرائيل سبطان: سبط نبوة وسبط خلافة، فلا تكون الخلافة إلا في سبط الخلافة، ولا تكون النبوة إلا في سبط النبوة، فقال لهم نبيهم: { إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا قالوا أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه } وليس من أحد السبطين، لا من سبط النبوة ولا سبط الخلافة. قال { إن الله اصطفاه عليكم... } الآية. وقد قيل: إن معنى الملك في هذا الموضع: الإمرة على الجيش. ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال مجاهد قوله: { إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا } قال: كان أمير الجيش. حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد بمثله، إلا أنه قال: كان أميرا على الجيش. وقد بينا معنى «أنى»، ومعنى الملك فيما مضى، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع. القول في تأويل قوله تعالى: قال: { إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم }. يعني تعالى ذكره بقوله: { إن الله اصطفاه عليكم } قال نبيهم شمويل لهم: إن الله اصطفاه عليكم يعني اختاره عليكم. كما: حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: { اصطفاه عليكم } اختاره. حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك: { إن الله اصطفاه عليكم } قال: اختاره عليكم. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: { إن الله اصطفاه عليكم } اختاره. وأما قوله: { وزاده بسطة في العلم والجسم } فإنه يعني بذلك: أن الله بسط له في العلم والجسم، وآتاه من العلم فضلا على ما أتى غيره من الذين خوطبوا بهذا الخطاب. وذلك أنه ذكر أنه أتاه وحي من الله وأما في الجسم، فإنه أوتي من الزيادة في طوله عليهم ما لم يؤته غيره منهم. كما: حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: حدثني عبد الصمد بن معقل، عن وهب بن منبه، قال: لما قالت بنو إسرائيل: { أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال قال إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم } قال: واجتمع بنو إسرائيل، فكان طالوت فوقهم من منكبيه فصاعدا. وقال السدي: أتى النبي صلى الله عليه وسلم بعصا تكون مقدارا على طول الرجل الذي يبعث فيهم ملكا فقال: إن صاحبكم يكون طوله طول هذه العصا.

فقاسوا أنفسهم بها فلم يكونوا مثلها، فقاسوا طالوت بها فكان مثلها. حدثني بذلك موسى، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السدي. وقال آخرون: بل معنى ذلك: إن الله اصطفاه عليكم وزاده مع اصطفائه إياه بسطة في العلم والجسم يعني بذلك: بسط له مع ذلك في العلم والجسم. ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: { إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم } بعد هذا. القول في تأويل قوله تعالى: { والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم }. يعني تعالى ذكره بذلك: أن الملك لله وبيده دون غيره يؤتيه. يقول: يؤتي ذلك من يشاء فيضعه عنده، ويخصه به، ويمنحه من أحب من خلقه. يقول: فلا تستنكروا يا معشر الملأ من بني إسرائيل أن يبعث الله طالوت ملكا عليكم وإن لم يكن من أهل بيت المملكة، فإن الملك ليس بميراث عن الآباء والأسلاف، ولكنه بيد الله يعطيه من يشاء من خلقه، فلا تتخيروا على الله. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني ابن إسحاق، قال: حدثني بعض أهل العلم، عن وهب بن منبه: { والله يؤتي ملكه من يشاء } الملك بيد الله يضعه حيث يشاء، ليس لكم أن تختاروا فيه. حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، قال: قال ابن جريج، قال مجاهد: ملكه: سلطانه. حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: { والله يؤتي ملكه من يشاء } سلطانه. وأما قوله: { والله واسع عليم } فإنه يعني بذلك والله واسع بفضله، فينعم به على من أحب، ويريد به من يشاء { عليم } بمن هو أهل لملكه الذي يؤتيه، وفضله الذي يعطيه، فيعطيه ذلك لعلمه به، وبأنه لما أعطاه أهل إما للإصلاح به وإما لأن ينتفع هو به.

[2.248]

وهذا الخبر من الله تعالى ذكره عن نبيه الذي أخبر عنه دليل على أن الملأ من بني إسرائيل الذين قيل لهم هذا القول لم يقروا ببعثة الله طالوت عليهم ملكا، إذ أخبرهم نبيهم بذلك وعرفهم فضيلته التي فضله الله بها ولكنهم سألوه الدلالة على صدق ما قال لهم من ذلك وأخبرهم به. فتأويل الكلام إذ كان الأمر على ما وصفنا: { والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم } فقالوا له: ائت بآية على ذلك إن كنت من الصادقين قال لهم نبيهم: { إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت }. هذه القصة وإن كانت خبرا من الله تعالى ذكره عن الملإ من بني إسرائيل ونبيهم وما كان من ابتدائهم نبيهم بما ابتدءوا به من مسألته أن يسأل الله لهم أن يبعث لهم ملكا يقاتلون معه في سبيله، بناء عما كان منهم من تكذيبهم نبيهم بعد علمهم بنبوته ثم إخلافهم الموعد الذي وعدوا الله ووعدوا رسوله من الجهاد في سبيل الله بالتخلف عنه حين استنهضوا الحرب من استنهضوا لحربه، وفتح الله على القليل من الفئة مع تخذيل الكثير منهم عن ملكهم وقعودهم عن الجهاد معه فإنه تأديب لمن كان بين ظهراني مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذراريهم وأبنائهم يهود قريظة والنضير، وأنهم لن يعدوا في تكذيبهم محمدا صلى الله عليه وسلم فيما أمرهم به ونهاهم عنه، مع علمهم بصدقه ومعرفتهم بحقيقة نبوته، بعد ما كانوا يستنصرون الله به على أعدائهم قبل رسالته، وقبل بعثة الله إياه إليهم وإلى غيرهم أن يكونوا كأسلافهم وأوائلهم الذين كذبوا نبيهم شمويل بن بالي، مع علمهم بصدقه ومعرفتهم بحقيقة نبوته، وامتناعهم من الجهاد مع طالوت لما ابتعثه الله ملكا عليهم بعد مسألتهم نبيهم ابتعاث ملك يقاتلون معه عدوهم، ويجاهدون معه في سبيل ربهم ابتداء منهم بذلك نبيهم، وبعد مراجعة نبيهم شمويل إياهم في ذلك وحض لأهل الإيمان بالله وبرسوله من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم على الجهاد في سبيله، وتحذير منه لهم أن يكونوا في التخلف عن نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم عند لقائه العدو ومناهضته أهل الكفر بالله وبه على مثل الذي كان عليه الملأ من بني إسرائيل في تخلفهم عن ملكهم طالوت، إذ زحف لحرب عدو الله جالوت، وإيثارهم الدعة والخفض على مباشرة حر الجهاد، والقتال في سبيل الله، وشحذ منه لهم على الإقدام على مناجزة أهل الكفر به الحرب، وترك تهيب قتالهم إن قل عددهم وكثر عدد أعدائهم واشتدت شوكتهم، بقوله:

قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين

[البقرة: 249]، وإعلام منه تعالى ذكره عباده المؤمنين به أن بيده النصر والظفر والخير والشر. وأما تأويل قوله: { قال لهم نبيهم } فإنه يعني للملأ من بني إسرائيل الذين قالوا لنبيهم: { ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله } وقوله: { إن آية ملكه }: إن علامة ملك طالوت التي سألتمونيها دلالة على صدقي في قولي: إن الله بعثه عليكم ملكا، وإن كان من غير سبط المملكة، { أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم } وهو التابوت الذي كانت بنو إسرائيل إذا لقوا عدوا لهم قدموه أمامهم وزحفوا معه، فلا يقوم لهم معه عدو ولا يظهر عليهم أحد ناوأهم، حتى منعوا أمر الله وكثر اختلافهم على أنبيائهم، فسلبهم الله إياه مرة بعد مرة يرده إليهم في كل ذلك، حتى سلبهم آخر مرة فلم يرده عليهم ولن يرد إليهم آخر الأبد. ثم اختلف أهل التأويل في سبب مجيء التابوت الذي جعل الله مجيئه إلى بني إسرائيل آية لصدق نبيهم شمويل على قوله: { إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا } وهل كانت بنو إسرائيل سلبوه قبل ذلك فرده الله عليهم حين جعل مجيئه آية لملك طالوت، أو لم يكونوا سلبوه قبل ذلك ولكن الله ابتدأهم به ابتداء؟ فقال بعضهم: كان ذلك عندهم من عهد موسى وهارون يتوارثونه حتى سلبهم إياه ملوك من أهل الكفر به، ثم رده الله عليهم آية لملك طالوت. وقال في سبب رده عليهم ما أنا ذاكره، وهو ما: حدثني به المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: ثني عبد الصمد بن معقل أنه سمع وهب بن منبه، قال: كان لعيلي الذي ربى شمويل ابنان شابان أحدثا في القربان شيئا لم يكن فيه، كان شرط القربان الذي كانوا يشرطونه به كلا بين فما أخرجا كان للكاهن الذي يستوطنه، فجعل ابناه كلاليب، وكانا إذا جاء النساء يصلين في القدس يتشبثان بهن. فبينا شمويل نائم قبل البيت الذي كان ينام فيه عيلي، إذ سمع صوتا يقول: أشمويل فوثب إلى عيلي، فقال: لبيك ما لك دعوتني؟ فقال: لا، ارجع فنم فرجع فنام ثم سمع صوتا آخر يقول: أشمويل فوثب إلى عيلي أيضا، فقال: لبيك ما لك دعوتني؟ فقال: لم أفعل ارجع فنم، فإن سمعت شيئا فقل لبيك مكانك مرني فأفعل فرجع فنام، فسمع صوتا أيضا يقول: أشمويل فقال: لبيك أنا هذا مرني أفعل قال: انطلق إلى عيلي، فقل له: منعه حب الولد أن يزجر ابنيه أن يحدثا في قدسي وقرباني وأن يعصياني، فلأنزعن منه الكهانة ومن ولده، ولأهلكنه وإياهما فلما أصبح سأله عيلي، فأخبره، ففزع لذلك فزعا شديدا، فسار إليهم عدو ممن حولهم، فأمر ابنيه أن يخرجا بالناس فيقاتلا ذلك العدو فخرجا وأخرجا معهما التابوت الذي كان فيه اللوحان وعصا موسى لينصروا به .

فلما تهيئوا للقتال هم وعدوهم، جعل عيلي يتوقع الخبر ماذا صنعوا، فجاءه رجل يخبره وهو قاعد على كرسيه أن ابنيك قد قتلا، وأن الناس قد انهزموا. قال: فما فعل التابوت؟ قال: ذهب به العدو. قال: فشهق ووقع على قفاه من كرسيه فمات. وذهب الذين سبوا التابوت حتى وضعوه في بيت آلهتهم ولهم صنم يعبدونه، فوضعوه تحت الصنم والصنم من فوقه، فأصبح من الغد والصنم تحته وهو فوق الصنم. ثم أخذوه فوضعوه فوقه وسمروا قدميه في التابوت، فأصبح من الغد قد تقطعت يدا الصنم ورجلاه، وأصبح ملقى تحت التابوت فقال بعضهم لبعض: قد علمتم أن إله بني إسرائيل لا يقوم له شيء، فأخرجوه من بيت آلهتكم فأخرجوا التابوت فوضعوه في ناحية من قريتهم، فأخذ أهل تلك الناحية التي وضعوا فيها التابوت وجع في أعناقهم، فقالوا: ما هذا؟ فقالت لهم جارية كانت عندهم من سبي بني إسرائيل: لا تزالون ترون ما تكرهون ما كان هذا التابوت فيكم، فأخرجوه من قريتكم قالوا: كذبت قالت: إن آية ذلك أن تأتوا ببقرتين لهما أولاد لم يوضع عليهما نير قط، ثم تضعوا وراءهم العجل، ثم تضعوا التابوت على العجل، وتسيروهما، وتحبسوا أولادهما فإنهما تنطلقان به مذعنين، حتى إذا خرجتا من أرضكم ووقعتا في أرض بني إسرائيل، كسرتا نيرهما، وأقبلتا إلى أولادهما ففعلوا ذلك فلما خرجتا من أرضهم ووقعتا في أدنى أرض بني إسرائيل، كسرتا نيرهما، وأقبلتا إلى أولادهما، ووضعتاه في خربة فيها حضار من بني إسرائيل. ففزع إليه بنو إسرائيل وأقبلوا إليه، فجعل لا يدنو منه أحد إلا مات، فقال لهم نبيهم شمويل: اعترضوا، فمن آنس من نفسه قوة فليدن منه فعرضوا عليه الناس، فلم يقدر أحد يدنو منه، إلا رجلان من بني إسرائيل أذن لهما بأن يحملاه إلى بيت أمهما، وهي أرملة، فكان في بيت أمهما حتى ملك طالوت، فصلح أمر بني إسرائيل مع شمويل. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: ثني بعض أهل العلم، عن وهب بن منبه، قال: قال شمويل لبني إسرائيل لما قالوا له: { أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال قال إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم } وإن آية ملكه: وإن تمليكه من قبل الله أن يأتيكم التابوت، فيرد عليكم الذي فيه من السكينة، وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون، وهو الذي كنتم تهزمون به من لقيكم من العدو، وتظهرون به عليه قالوا: فإن جاءنا التابوت، فقد رضينا وسلمنا. وكان العدو الذين أصابوا التابوت أسفل من الجبل، جبل إيليا، فيما بينهم وبين مصر، وكانوا أصحاب أوثان، وكان فيهم جالوت، وكان جالوت رجلا قد أعطي بسطة في الجسم وقوة في البطش وشدة في الحرب، مذكورا بذلك في الناس.

अज्ञात पृष्ठ