जामे बयान
جامع البيان في تفسير القرآن
حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: { وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون } قال: البقية: عصا موسى ورضاض الألواح. حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون } أما البقية فإنها عصا موسى ورضاضة الألواح. حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: { وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون } عصا موسى، وأمور من التوراة. حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الوهاب الثقفي، عن خالد الحذاء، عن عكرمة في هذه الآية: { وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون } قال: التوراة، ورضاض الألواح، والعصا. قال إسحاق: قال وكيع: ورضاضه: كسره. حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن خالد، عن عكرمة في قوله: { وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون } قال: رضاض الألواح. وقال آخرون: بل تلك البقية: عصا موسى، وعصا هارون، وشيء من الألواح. ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا جابر بن نوح، عن إسماعيل، عن ابن أبي خالد، عن أبي صالح: { أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون } قال: كان فيه عصا موسى، وعصا هارون، ولوحان من التوراة، والمن. حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: سمعت أبي، عن عطية بن سعد في قوله: { وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون } قال: عصا موسى، وعصا هارون، وثياب موسى، وثياب هارون، ورضاض الألواح. وقال آخرون: بل هي العصا والنعلان. ذكر من قال ذلك: حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: سألت الثوري عن قوله: { وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون } قال: منهم من يقول: البقية: قفيز من من ورضاض الألواح. ومنهم من يقول: العصا والنعلان. وقال آخرون: بل كان ذلك العصا وحدها. ذكر من قال ذلك: حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا بكار بن عبد الله، قال: قلنا لوهب بن منبه: ما كان فيه؟ يعني في التابوت. قال: كان فيه عصا موسى والسكينة. وقال آخرون: بل كان ذلك رضاض الألواح وما تكسر منها. ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جريج، قال ابن عباس في قوله: { وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون } قال: كان موسى حين ألقى الألواح تكسرت ورفع منها، فجعل الباقي في ذلك التابوت. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: سألت عطاء بن أبي رباح عن قوله: { وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون } العلم والتوراة. وقال آخرون: بل ذلك الجهاد في سبيل الله.
ذكر من قال ذلك: حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، قال: أخبرنا عبيد الله بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: { وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون } يعني بالبقية: القتال في سبيل الله، وبذلك قاتلوا مع طالوت، وبذلك أمروا. وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر عن التابوت الذي جعله آية لصدق قول نبيه صلى الله عليه وسلم لأمته: { إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا } أن فيه سكينة منه، وبقية مما تركه آل موسى وآل هارون. وجائز أن يكون تلك البقية: العصا، وكسر الألواح والتوراة، أو بعضها والنعلين، والثياب، والجهاد في سبيل الله وجائز أن يكون بعض ذلك. وذلك أمر لا يدرك علمه من جهة الاستخراج، ولا اللغة، ولا يدرك علم ذلك إلا بخبر يوجب عنه العلم، ولا خبر عند أهل الإسلام في ذلك للصفة التي وصفنا. وإذ كان كذلك، فغير جائز فيه تصويب قول وتضعيف آخر غيره، إذ كان جائزا فيه ما قلنا من القول. القول في تأويل قوله تعالى: { تحمله الملائكة }. اختلف أهل التأويل في صفة حمل الملائكة ذلك التابوت، فقال بعضهم: معنى ذلك: تحمله بين السماء والأرض حتى تضعه بين أظهرهم. ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: جاءت الملائكة بالتابوت تحمله بين السماء والأرض وهم ينظرون إليه، حتى وضعته عند طالوت. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: لما قال لهم: يعني النبي لبني إسرائيل:
والله يؤتي ملكه من يشآء
[البقرة: 247] قالوا: فمن لنا بأن الله هو آتاه هذا، ما هو إلا لهواك فيه؟ قال: إن كنتم قد كذبتموني واتهمتموني { فإن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم } الآية. قال: فنزلت الملائكة بالتابوت نهارا ينظرون إليه عيانا، حتى وضعوه بين أظهرهم، فأقروا غير راضين، وخرجوا ساخطين. وقرأ حتى بلغ: { والله مع الصابرين }. حدثني موسى، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السدي، قال: لما قال لهم نبيهم: { إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم } قالوا: فإن كنت صادقا، فأتنا بآية أن هذا ملك { قال إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة } وأصبح التابوت وما فيه في دار طالوت، فآمنوا بنبوة شمعون، وسلموا ملك طالوت. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: { تحمله الملائكة قال: تحمله حتى تضعه في بيت طالوت. وقال آخرون: معنى ذلك: تسوق الملائكة الدواب التي تحمله.
ذكر من قال ذلك: حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن بعض أشياخه، قال: تحمله الملائكة على عجلة، على بقرة. حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا عبد الصمد بن معقل أنه سمع وهب بن منبه يقول: وكل بالبقرتين اللتين سارتا بالتابوت أربعة من الملائكة يسوقونهما، فسارت البقرتان بهما سيرا سريعا حتى إذا بلغتا طرف القدس ذهبتا. وأولى القولين في ذلك بالصواب، قول من قال: حملت التابوت الملائكة حتى وضعته في دار طالوت بين أظهر بني إسرائيل وذلك أن الله تعالى ذكره قال: { تحمله الملائكة } ولم يقل: تأتي به الملائكة وما جرته البقر على عجل. وإن كانت الملائكة هي سائقتها، فهي غير حاملته، لأن الحمل المعروف هو مباشرة الحامل بنفسه حمل ما حمل، فأما ما حمله على غيره وإن كان جائزا في اللغة أن يقال في حمله بمعنى معونته الحامل، أو بأن حمله كان عن سببه، فليس سبيله سبيل ما باشر حمله بنفسه في تعارف الناس إياه بينهم وتوجيه تأويل القرآن إلى الأشهر من اللغات أولى من توجيهه إلى أن لا يكون الأشهر ما وجد إلى ذلك سبيل. القول في تأويل قوله تعالى: { إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين }. يعني تعالى ذكره بذلك أن نبيه أشمويل قال لبني إسرائيل: إن في مجيئكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون، حاملته الملائكة، { لآية لكم } يعني لعلامة لكم ودلالة أيها الناس على صدقي فيما أخبرتكم أن الله بعث لكم طالوت ملكا إن كنتم قد كذبتموني فيما أخبرتكم به من تمليك الله إياه عليكم واتهمتموني في خبري إياكم بذلك { إن كنتم مؤمنين } يعني بذلك: إن كنتم مصدقي عند مجيء الآية التي سألتمونيها على صدقي فيما أخبرتكم به من أمر طالوت وملكه. وإنما قلنا ذلك معناه لأن القوم قد كانوا كفروا بالله في تكذيبهم نبيهم، وردهم عليه قوله: { إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا } بقولهم: { أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه } وفي مسألتهم إياه الآية على صدقه. فإن كان ذلك منهم كفرا، فغير جائز أن يقال لهم وهم كفار لكم في مجيء التابوت آية إن كنتم من أهل الإيمان بالله ورسوله وليسوا من أهل الإيمان بالله ولا برسوله، ولكن الأمر في ذلك على ما وصفنا من معناه، لأنهم سألوا الآية على صدق خبره إياهم ليقروا بصدقه، فقال لهم في مجيء التابوت على ما وصفه لهم آية لكم إن كنتم عند مجيئه كذلك مصدقي بما قلت لكم وأخبرتكم به.
[2.249]
وفي هذا الخبر من الله تعالى ذكره متروك قد استغني بدلالة ما ذكر عليه عن ذكره. ومعنى الكلام: إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين، فأتاهم التابوت فيه سكينة من ربهم، وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة، فصدقوا عند ذلك نبيهم، وأقروا بأن الله قد بعث طالوت ملكا عليهم، وأذعنوا له بذلك. يدل على ذلك قوله: { فلما فصل طالوت بالجنود } وما كان ليفصل بهم إلا بعد رضاهم به وتسليمهم الملك له، لأنه لم يكن ممن يقدرون على إكراههم على ذلك فيظن به أنه حملهم على ذلك كرها. وأما قوله: { فصل } فإنه يعني به شخص بالجند ورحل بهم. وأصل الفصل: القطع، يقال منه: فصل الرجل من موضع كذا وكذا، يعني به قطع ذلك، فجاوزه شاخصا إلى غيره، يفصل فصولا وفصل العظم والقول من غيره فهو يفصله فصلا: إذا قطعه فأبانه وفصل الصبي فصالا: إذا قطعه عن اللبن وقول فصل: يقطع فيفرق بين الحق والباطل لا يرد. وقيل: إن طالوت فصل بالجنود يومئذ من بيت المقدس وهم ثمانون ألف مقاتل، لم يتخلف من بني إسرائيل عن الفصول معه إلا ذو علة لعلته، أو كبير لهرمه، أو معذور لا طاقة له بالنهوض معه. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: ثني بعض أهل العلم، عن وهب بن منبه، قال: خرج بهم طالوت حين استوسقوا له، ولم يتخلف عنه إلا كبير ذو علة، أو ضرير معذور، أو رجل في ضيعة لا بد له من تخلف فيها. حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: لما جاءهم التابوت آمنوا بنبوة شمعون، وسلموا ملك طالوت، فخرجوا معه، وهم ثمانون ألفا. قال أبو جعفر: فلما فصل بهم طالوت على ما وصفنا قال: { إن الله مبتليكم بنهر } يقول: إن الله مختبركم بنهر، ليعلم كيف طاعتكم له. وقد دللنا على أن معنى الابتلاء: الاختبار فيما مضى بما أغنى عن إعادته. وبما قلنا في ذلك كان قتادة يقول. حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة في قول الله تعالى: { إن الله مبتليكم بنهر } قال: إن الله يبتلي خلقه بما يشاء ليعلم من يطيعه ممن يعصيه. وقيل: إن طالوت قال: { إن الله مبتليكم بنهر } لأنهم شكوا إلى طالوت قلة المياه بينهم وبين عدوهم، وسألوه أن يدعو الله لهم أن يجري بينهم وبين عدوهم نهرا، فقال لهم طالوت حينئذ ما أخبر عنه أنه قاله من قوله: { إن الله مبتليكم بنهر }. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: ثني بعض أهل العلم، عن وهب بن منبه، قال: لما فصل طالوت بالجنود، قالوا: إن المياه لا تحملنا، فادع الله لنا يجري لنا نهرا فقال لهم طالوت: { إن الله مبتليكم بنهر }.
.. الآية. والنهر الذي أخبرهم طالوت أن الله مبتليهم به قيل: هو نهر بين الأردن وفلسطين. ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قال: { إن الله مبتليكم بنهر } قال الربيع: ذكر لنا والله أعلم أنه نهر بين الأردن وفلسطين. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: { إن الله مبتليكم بنهر } قال: ذكر لنا أنه نهر بين الأردن وفلسطين. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة قوله: { إن الله مبتليكم بنهر } قال: هو نهر بين الأردن وفلسطين. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن ابن عباس: { فلما فصل طالوت بالجنود } غازيا إلى جالوت، قال طالوت لبني إسرائيل: { إن الله مبتليكم بنهر } قال: نهر بين فلسطين والأردن، نهر عذب الماء طيبه. وقال آخرون: بل هو نهر فلسطين. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: { إن الله مبتليكم بنهر } فالنهر الذي ابتلي به بنو إسرائيل نهر فلسطين. حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { إن الله مبتليكم بنهر } هو نهر فلسطين. وأما قوله: { فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده فشربوا منه إلا قليلا منهم } فإنه خبر من الله تعالى ذكره عن طالوت أنه قال لجنوده إذ شكوا إليه العطش، فأخبر أن الله مبتليهم بنهر، ثم أعلمهم أن الابتلاء الذي أخبرهم عن الله به من ذلك النهر، هو أن من شرب من مائه فليس هو منه، يعني بذلك أنه ليس من أهل ولايته وطاعته، ولا من المؤمنين بالله وبلقائه. ويدل على أن ذلك كذلك قول الله تعالى ذكره: { فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه } فأخرج من لم يجاوز النهر من الذين آمنوا. ثم أخلص ذكر المؤمنين بالله ولقائه عند دنوهم من جالوت وجنوده بقوله: قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله وأخبرهم أنه من لم يطعمه، يعني من لم يطعم الماء من ذلك النهر والهاء في قوله: فمن شرب منه وفي قوله: ومن لم يطعمه عائدة على النهر، والمعنى لمائه. وإنما ترك ذكر الماء اكتفاء بفهم السامع بذكر النهر لذلك أن المراد به الماء الذي فيه ومعنى قوله: { لم يطعمه } لم يذقه، يعني: ومن لم يذق ماء ذلك النهر فهو مني، يقول: هو من أهل ولايتي وطاعتي والمؤمنين بالله وبلقائه.
ثم استثنى من قوله: { ومن لم يطعمه } المغترفين بأيديهم غرفة، فقال: ومن لم يطعم ماء ذلك النهر إلا غرفة يغترفها بيده فإنه مني. ثم اختلفت القراء في قراءة قوله: { إلا من اغترف غرفة بيده } فقرأه عامة قراء أهل المدينة والبصرة: «غرفة» بنصب الغين من الغرفة، بمعنى الغرفة الواحدة، من قولك: اغترفت غرفة، والغرفة هي الفعل بعينه من الاغتراف. وقرأه آخرون بالضم، بمعنى: الماء الذي يصير في كف المغترف، فالغرفة الاسم، والغرفة المصدر. وأعجب القراءتين في ذلك إلي ضم الغين في الغرفة بمعنى: إلا من اغترف كفا من ماء، لاختلاف غرفة إذا فتحت غينها، وما هي له مصدر وذلك أن مصدر اغترف اغترافة، وإنما غرفة مصدر غرفت، فلما كانت غرفة مخالفة مصدر اغترف، كانت الغرفة التي بمعنى الاسم على ما قد وصفنا أشبه منها بالغرفة التي هي بمعنى الفعل وذكر لنا أن عامتهم شربوا من ذلك الماء، فكان من شرب منه عطش، ومن اغترف غرفة روي. ذكر من قال ذلك: حدثني بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: { فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده فشربوا منه إلا قليلا منهم } فشرب القوم على قدر يقينهم. أما الكفار فجعلوا يشربون فلا يروون، وأما المؤمنون فجعل الرجل يغترف غرفة بيده فتجزيه وترويه. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: { فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده } قال: كان الكفار يشربون فلا يروون، وكان المسلمون يغترفون غرفة، فيجزيهم ذلك. حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: { فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده فشربوا منه إلا قليلا منهم } يعني المؤمنين منهم، وكان القوم كثيرا فشربوا منه إلا قليلا منهم، يعني المؤمنين منهم كان أحدهم يغترف الغرفة فيجزيه ذلك ويرويه. حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: لما أصبح التابوت وما فيه في دار طالوت، آمنوا بنبوة شمعون، وسلموا ملك طالوت، فخرجوا معه وهم ثمانون ألفا. وكان جالوت من أعظم الناس، وأشدهم بأسا، فخرج يسير بين يدي الجند، ولا تجتمع إليه أصحابه حتى يهزم هو من لقي. فلما خرجوا قال لهم طالوت: { إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني } فشربوا منه هيبة من جالوت، فعبر منهم أربعة آلاف، ورجع ستة وسبعون ألفا.
فمن شرب منه عطش، ومن لم يشرب منه إلا غرفة روي. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: ألقى الله على لسان طالوت حين فصل بالجنود، فقال: لا يصحبني أحد إلا أحد له نية في الجهاد فلم يتخلف عنه مؤمن، ولم يتبعه منافق فلما رأى قلتهم، قالوا: لن نمس من هذا الماء غرفة ولا غيرها وذلك أنه قال لهم: { إن الله مبتليكم بنهر... } الآية. فقالوا: لن نمس من هذا غرفة ولا غير غرفة قال: وأخذ البقية الغرفة، فشربوا منها حتى كفتهم، وفضل منهم. قال: والذين لم يأخذوا الغرفة أقوى من الذين أخذوها. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس في قوله: { فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده } فشرب كل إنسان كقدر الذي في قلبه، فمن اغترف غرفة وأطاعه روي بطاعته، ومن شرب فأكثر عصى فلم يرو لمعصيته. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق في حديث ذكره، عن بعض أهل العلم، عن وهب بن منبه في قوله: { فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده } يقول الله تعالى ذكره: { فشربوا منه إلا قليلا منهم }. وكان فيما يزعمون من تتابع منهم في الشرب الذي نهي عنه لم يروه، ومن لم يطعمه إلا كما أمر غرفة بيده أجزأه وكفاه. القول في تأويل قوله تعالى: { فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه، قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده }. يعني تعالى ذكره بقوله: { فلما جاوزه هو } فلما جاوز النهر طالوت. والهاء في «جاوزه» عائدة على النهر، وهو كناية اسم طالوت. وقوله: { والذين آمنوا معه } يعني: وجاوز النهر معه الذين آمنوا. قالوا لا طاقة لنا { اليوم بجالوت وجنوده }. ثم اختلف في عدة من جاوز النهر معه يومئذ ومن قال منهم لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده، فقال بعضهم: كانت عدتهم عدة أهل بدر ثلثمائة رجل وبضعة عشر رجلا. ذكر من قال ذلك: حدثنا هارون بن إسحاق الهمداني، قال: ثنا مصعب بن المقدام، وحدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد الزبيري، قالا جميعا: ثنا إسرائيل، قال: ثنا أبو إسحاق، عن البراء بن عازب، قال: كنا نتحدث أن عدة أصحاب بدر على عدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا النهر معه، ولم يجز معه إلا مؤمن، ثلثمائة وبضعة عشر رجلا. حدثنا أبو كريب، قال: ثنا أبو بكر، قال: ثنا أبو إسحاق، عن البراء، قال: كنا نتحدث أن أصحاب بدر يوم بدر كعدة أصحاب طالوت ثلثمائة رجل وثلاثة عشر رجلا الذين جاوزوا النهر.
अज्ञात पृष्ठ