इहतिरास
الاحتراس عن نار النبراس المجلد الأول
فنقول وبالله التوفيق: أن ما في قوله تعالى: {والله خلقكم وما تعملون} مصدرية أو موصولة، فإن كانت مصدرية كان المعنى خلقكم وعملكم، وهو صريح في المقصود، وإنا كانت موصولة كان المعنى خلقكم والذي تعملون، وحينئذ فإما أن يبين بقولنا من أعمالكم، أو من الأصنام، فإن كان الأول كان صريحا في المقصود أيضا، وإن كان الثاني فكذلك؛ لأن الصنم عبارة عن مجموع الجسم وشكله المخصوص الحاصل من نحتهم وتشكيلهم كما هو ظاهر، وقد صرح به صاحب الكشاف، حيث قال: والأصنام جواهر وأشكال، فلولم تكن المجموع من الجوهر وشكله المخصوص الحاصل من تشكيلهم مخلوقا له تعالى لم يكن الصنم مخلوقا له ضرورة ، .........لايتحقق إلا عند تحقق إجرائه، والازم باطل؛ لأن الفرض أنما موصولة، وأنه عبارة عن الأصنام، ولا شبهة أنه مفعول خلقكم، والمعنى خلقكم وخلق الأصنام التي تعملونها، فلا بد أن يكون مجموع الصنم من الجوهر وشكله الحاصل بتشكيلهم مخلوقا له تعالى، تحقيقا لصحة إقاع خلق على ما الموصولة، العبارة عن الأصنام، ولا شك أن المجموع إذا كان مخلوقا له تعالى كان الشكل كالجوهر مخلوقا له تعالى، وإذا كان الشكل مخلوقا له تعالى كان التشكيل الذي هو مزاعما لهم مخلوقا له، ضرورة أن هذا الشكل المخصوص إنما حصل بتشكيلهم، فلا يمكن أن يكون مخلوقا لله تعالى بعد حصوله ووجوده بتشكيلهم؛ لأنه تحصيل للحاصل وهو محال، ولا شبهة في أن الجوهر قبل تشكيلهم لم يكن صنما، والخلق إنما وقع على ما الموصولة، التي هي عبارة عن الأصنام، فاستحال أن يكون المراد خلقه قبل تشكيلهم، وإذا امتنع بعد تشكيلهم وقبل تشكيلهم تعين أن يكون مخلوقا له عند تشكيلهم بعين تشكيلهم الذي هو عملهم، أعني أن خلقه تعالى هو خلقه بعين عملهم، فيكون عين عملهم مخلوقا له البتة، لاستحالة أن يكون التشكيل الذي هو أثر تشكيلهم مخلوقا له تعالى، ولم يكن التشكيل مخلوقا له؛ لأن الشكل لا يترتب إلا على التشكيل، فإذا لم يكن التشكيل بخلقه لم يكن الشكل مرتب على خلقه، بل على فعله، والفرض أن الشكل مخلوق له تعالى، فيلزم أن يكون التشكيل أيضا مخلوقا له بالضرورة، وهو المطلوب وبالله التوفيق.
पृष्ठ 865