इहतिरास
الاحتراس عن نار النبراس المجلد الأول
أقول: كأنها ضاقت على المعترض أرض الجدل بما رحبت، واطلعت نار الحق الموصدة على فؤاده، فهاجت حتى لم يقابلها إلا بهذا الدست المخروق، والتحطيب المسروق، وهاهو ذا يتصعد طالبا للتصويب لأصحابه، ونصرتهم بالتقريب، ولسان الحال يقول له أنهم كانوا في شك مريب، ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت، وأخذوا في مكان قريب، ثم لم يأتي في تركيب هذا الدست عن جهله مركب إلا بما يفت في عضده ويرجع، فالنقض على منتهى مقصده ورعاية معتقده، ونحن من وراء المنع بهذه التلفيقات المجموعة، والمقدمات الممنوعة نقول: أولا مالكم أيها المجبرة تتعمدون في إثبات الجبر، وخلق الأعمال على مثل هذا العموم الذي في قوله تعالى: {الله خالق كل شيء} مع علمكم بأن حجة الله وحجة النبي صلى الله عليه وآله وسلم [402]قائمة على أهل الكفر والعناد، ولو صح لكم في القرآن دليلا على خلق الأعمال أو على الجبر لسقطت الحجة على كل كافر، وقد كان صلى الله عليه وآله وسلم في بعض أدعيته (( بك خاصمت، وإليك حاكمت)) أي خاصمت ودافعت لما أتيتني من البراهين والحجج، وقمعت بالحجة من عاند فيك، وحاكمت إليك من منع من قبول الحق والإيمان الذي أمرت به، وهذا الحديث في عدة الحصن الحصين، ولو كان ما يقولونه حقا في الجبر وخلق الله لأعمال العباد لسقط مثل هذا الكلام والدعاء؛ لكن اللازم باطل قطعا وإجماعا، هذا مع علمكم أنه أي العموم ظني عندكم، وعلمكم بأن مسألة الأفعال من المسائل العلمية التي لا يعتمد فيها على الظنيات، وأنتم قد أديتم المخصوص بهذه الآية كما في شرح المختصر الحاجبي على العدليلة لما سمعتموهم يستدلون بعمومات الوعيد على دخول عصاة المسلمين في مقتضاه، وجهلهم أنهم يقولون عمومات الوعيد يجب القطع بظواهرها لمدرك آخر مذكور في محله من كتبهم، ثم ما كفتكم هذه المناقضة الظاهرة حتى بنيتم عليها ما بنيتم من الصوامع والبيع، وزعمتم أن الذي أسنده الله تعالى إلى عباده من أعمالهم ليس لهم فيه تأثيرا أصلا، وأنه تعالى أسند إليهم عين تأثيره عزوجل، ثم قلتم أنه لولم يكن الأمر كذلك لزمت المناقضة، لقوله تعالى: {الله خالق كل شيء} وقد مثل العضد للعموم المخصوص بهذه الآية، كما في شرح المختصر الحاجبي.
ثم نقول مالكم إلتفتم إلى هذا العموم وهو من قبيل الظاهر لا من قبيل النص، وكل ظاهر قابل للتأويل إجماعا، فتركتم تأويله وأولتم الإنسان، وأخذتم تأول الآية وتركتم آخرها، فإن آخرها قوله تعالى: {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار..} الآية. وإنما اشتغلتم بتأويلها.
पृष्ठ 866