فقال دمشنكو شارحا: «إنه يعني المكان الذي نسلم فيه كل ما لنا من لبن ليصنع هناك زبدا للتصدير.» - «للتصدير!» - «نعم أيها الرفيق كرافتشنكو، لإرساله إلى الخارج، إنهم يلفونه في ورق عليه كلمات من لغة أجنبية غريبة، نعم فموت الناس من الجوع شيء، وتبادل التجارة مع الخارج شيء آخر.»
كان مصنع الزبد يبعد عن القرية مسافة قصيرة، وكان مديره رجلا من رجال الحزب، وديعا، في نفسه غم دفين، فصحبني خلال المصنع ليريني أجزاءه، فرأيت الزبد في إحدى الغرف يقطع شرائح مستطيلة ويلف في ورق كتب عليه بالإنجليزية: «تصدير الزبد التابع للاتحاد السوفيتي الاشتراكي.»
قال المدير: «أنا أعلم أن الفلاحين يتضورون جوعا، وفكرة إرسال هذا الزبد ليطعم أجانب قد أحسن غذاؤهم تمزقني تمزيقا كأنها السكين الماضية، ولكن ماذا أصنع؟ أنا مأمور لأطيع، بل إني متأخر جدا في إنتاج ما يجب إنتاجه وفقا للخطة؛ ولذلك فعقابي آت لا ريب فيه، إن الفلاحين يسرقون اللبن لأنهم جياع، والأبقار لا تحلب لأنها لا تجد ما يكفيها من علف.»
فأجبته: «ومع ذلك كله فلا بد من معونتك لي، لا بد من تغذية الأطفال، ولست أشك في أن صناعة الزبد تترك من المخلفات ما يمكن أن نستفيد منه.» - «من اليسير عليك أن تقول ما أنت قائل، لكني - مثل ماكارنكو - لست مطالبا فقط بتحقيق ما تضعه الإدارة المركزية من خطط، بل لا بد لي إلى جانب ذلك من إطعام الموظفين في الإقليم، فكلهم - كوبزار وبلوسوف وأعوانهم الكثيرون - يأخذون مني الزبد واللبن.»
فقلت: «سينصرف اللبن المخيض كله منذ اليوم إلى مشروع الأطفال الجديد.» - «لا بأس بقرارك هذا من ناحيتي، لكني لا بد أن أتلقى موافقة على ذلك من رؤسائي.» قال مدير المصنع ذلك ثم سكت لحظة كأنما يستجمع كل ما في جعبته من شجاعة مدخرة، وقال: «لا، لن أستأذن في ذلك أحدا، مر رجالك أن يحضروا غدا ليحملوا المخيض، إنني كذلك والد لأطفال.»
ثارت في نفسي ثورة الغضب إذ أنا عائد بالعربة إلى القرية، إنهم يصدرون الزبد وسط هذه المجاعة! لقد صور لي الخيال كيف ينعم أهل لندن وبرلين وباريس بأكل الزبد الذي طبعت عليه العلامة التجارية السوفيتية، كما صور لي الخيال كذلك أنهم إذ يأكلون زبدنا لا بد قائلون: «إنهم في روسيا يتقلبون في النعيم ما دام في مستطاعهم أن يرسلوا هذا الزبد خارج بلادهم، ها هو ذا أيها الأصدقاء برهان الاشتراكية في صورة عملية.»
لم أسمع خلال عودتي بين الحقول أحدا يتغنى بأناشيد أوكرانيا الحبيبة إلى فؤادي، لقد نسي الناس كيف يكون الغناء، لم أسمع سوى أنات قوم يلفظون أرواحهم، وإلى جانبها في أذني رنات مصمصة الأجانب البدينين وهم يستمتعون بزبدنا.
لما بلغت المزرعة التي كنت أشرف عليها، وجدت الناس يحصدون الشوفان والشعير، كما وجدت أن بضع مئات من الأطفال قد جمعوا من القرى ووضعوا في الحدائق ليتم لهم الغسل والتنظيف، وقد عرف «إيفان بتروفتش» كيف يوحد العمل، وكان يعاونه نحو عشرين رجلا وامرأة، وكانت زوجة شاداي - وهي مضيفتي - مشغولة مع غيرها من النساء في تبييض المنازل، فأذاب حبي لهؤلاء الناس في بساطتهم ما كان يتأجج في رأسي من أفكار الغضب، لقد شهدت هؤلاء الناس تكرههم على العمل عذبات السياط وطلقات البنادق، وها أنا ذا أراهم مدفوعين في إيثارهم لأداء عمل مشترك لا يخالطه شيء من الوعيد.
ولما كنا على مائدة العشاء في ذلك المساء، جاء رجل من حظيرة الجياد ينبئ «شاداي» أن حصانا قد مات لتوه، فأمره «شاداي» أن يسلخه وأن يرمي الجثة بعد ذلك بعيدا عن القرية بمسافة طويلة، وأن يصب عليها غازا (كيروسين) ثم يغطيها بالجير المحترق، ثم اتجه لي شارحا أنه إن لم يفعل ذلك جعل القرويون الجياع من اللحم الموبوء طعاما لأنفسهم، وبعدئذ جاءنا المعلم والطبيبة وأنبآنا أن الأمور تجري على نحو طيب، فالشعير الجديد قد جفف في الأفران ليوزع على أبناء المزارعين في اليوم التالي فيأكلوا بذلك أول إفطار جيد يقدم لهم، كذلك ذبح عدد من الخنازير.
قال «إيفان بتروفتش»: «لقد علمنا بنبأ المخيض، لكن ذلك لا يكفي؛ لأن بعض الأطفال قد ساءت حالهم إلى حد بعيد، لا بد لنا من اللبن ذاته.»
अज्ञात पृष्ठ