فكرت لحظة، وكنت حينئذ قد بلغت حدا بعيدا في الخروج على القواعد وفي «التخريب» حتى إنه ليسهل أن أمضي في الطريق خطوة أبعد.
قلت: «يا شاداي، ها أنا ذا أفوض لك بصورة رسمية أمام هؤلاء الشهود ألا تعطي لبنا بعد الآن للموظفين الذين جروا على أخذه، وأن تحتفظ بثلث الإنتاج كله لإرساله إلى منزل الأطفال، وعليك أن تبلغ «دمشنكو» أن ينفذ هذا الأمر بعينه في مزرعته.»
ولما أويت إلى مخدعي في المساء أخذت أفكر في هذه الطبقة الجديدة الممتازة في القرية، أعني رجال الحزب ورجال السوفيت الذين كانوا يستولون على اللبن والزبد والمؤن من المخزن التعاوني في الوقت الذي كان الناس فيه من حولهم يموتون جوعا، إن هؤلاء الموظفين كانوا يتلقون الأوامر من المركز الرئيسي فيتقبلونها في طاعة العبيد غير آبهين للآلام التي كان يعانيها الشعب من حولهم، إنه لمما يحز في النفس أن ترى ما يؤدي إليه الامتياز من فساد الخلق، فهؤلاء الرجال الذين كانوا منذ أعوام قلائل من الفلاحين الفقراء، قد زالت عنهم بالفعل آخر علامة من علامات الشبه بينهم وبين جيرانهم، وأصبحوا طبقة ممتازة بعيدة عن الناس، يعيشون في زمرة وحدهم يتآخى أفرادها ويعين بعضها بعضا ويتحدون معا عصبة تناهض الشعب.
ذهبت في اليوم التالي لأشاهد الحاصدين والدارسين وآلات الذر، وكانت الأجزاء البديلة التي أرسلت في طلبها لإصلاح الآلات قد وصلت وأخذ الرجال يصلحونها، وبينما كان عضو من أعضاء اللجنة الإدارية للمزرعة يقص علي ما يصادفه من صعاب، جاء فلاح وأسر في أذنه شيئا.
فقال عضو الإدارة: «ارفع صوتك حتى يسمع قولك الممثل الرسمي.» - «إذن فاسمع قصتي أيها الرفيق المندوب من الهيئة الرسمية، مات حصان ليلة الأمس، فسلخ جلده ثم غمست الجثة في غاز (كيروسين) وغطيت بالجير المحترق، لكنهم حين ذهبوا صباح اليوم لدفنها لم يجدوا لها أثرا، فقد حمل الناس أثناء الليل هذا اللحم الفاسد الموبوء، يا إلهي! إلى أية حال وصل بنا الأمر أيها الرفيق؟!»
دنا يوم الحصاد، وشاع في القرية روح جديد، فالكثرة الغالبة من الأسر كان لكل منها في روضة الأطفال التي يشرف عليها «إيفان بتروفتش» طفل أو أكثر، ووزع شيء من الشعير على أعضاء المزرعة جميعا، وبعد أن انفض الاجتماع، بقيت لأتحدث إلى الناس، فأخرج أحدهم عودا، وعزف فلاح على زامرة، فعادت أناشيدنا الأوكرانية إلى سمعي من جديد، واطمأن إلى ذلك قلبي.
وجاءني شاب يحمل إلي رسالة لم يستطع أن يجري بها لسانه لكنه جاهد حتى أخرجها تمتمة. - «أيها الرفيق الممثل الرسمي! أنت مطلوب في مكتب السوفيت، شخص هناك يريد لقاءك، شخص من ... من ... الشرطة السياسية.»
فسكت عن الغناء أولئك الذين كانوا على مقربة منا بحيث يسمعون ما يقال، وقعت هذه الكلمات المخيفة وقع الصواعق، ودار الخبر بين الحضور أني مطلوب لمقابلة رجال الشرطة السياسية، فخيم عليهم سكون وتوقع الجميع كما علمت من رؤساء المزرعة؛ توقع الجميع في القرية أنني سألقى عقابي جزاء ما هيأت للناس من قوت.
فلما أن ذهبت إلى مكتب السوفيت، وجدت ضابط الشرطة السياسية الأنيق الذي كنت قد لقيته في القسم السياسي، وكان هناك كذلك «كوبزار» و«بلوسوف»، فوجهت الخطاب إلى «كوبزار» قائلا: «لماذا لم تحضر اجتماع اليوم وقد طلبت إليك الحضور؟»
فقال مجيبا في تمتمة وتجهم: «آسف فقد شغلتني شواغل أخرى.»
अज्ञात पृष्ठ