ويتضح من هذا كله وضوح الشمس أن الطقوس الدينية لا توصل إلى السعادة الروحية، وأن طقوس العهد القديم، بل وشريعة موسى كلها، تتعلق بدولة العبرانيين وحدها، وبالتالي تهدف إلى تحقيق بعض وسائل الراحة المادية.
23
أما فيما يتعلق بطقوس الدين المسيحي، مثل العماد وتناول قربان الرب والأعياد والصلوات العلنية، وكل ما يشترك فيه جميع المسيحيين، سواء أكان المسيح هو الذي وضعها أم الحواريون (فهذا أمر لم يثبت في رأيي على نحو قاطع بعد)؛ فهي بمثابة آيات خارجية للكنيسة الشاملة، وليست أمورا توصل إلى السعادة الروحية أو لها في ذاتها أي طابع مقدس؛ ولهذا السبب، فإن هذه الطقوس، وإن لم تكن قد وضعت لمصلحة سياسية فإنها قد وضعت لصالح المجتمع كله، وبالتالي فإن من يعيش وحده لا يرتبط بهذه الطقوس مطلقا، بل إن من يعيش في دولة يحرم فيها الدين المسيحي عليه أن يمتنع عن إقامة هذه الطقوس، ويستطيع مع ذلك أن يعيش متمتعا بسعادة الروح.
24
ونجد مثالا لهذا الموقف في اليابان، حيث تحرم الديانة المسيحية وذلك لأن الهولنديين الذين يسكنون هذه البلاد ملزمون بأمر من شركة الهند الشرقية بالامتناع عن كل عبادة علنية.
25
ولا أظن أني أستطيع الآن إثبات ذلك بسلطة أخرى، ومع أنه ليس من الصعب استنباطه بمبادئ من العهد الجديد، وقد يمكن إثباتها بشواهد واضحة، فإني أفضل ترك هذه المسألة جانبا؛ لأني أود أن أسارع إلى معالجة مشكلة أخرى. وسأستمر إذن وأنتقل إلى النقطة الأخرى التي اعتزمت معالجتها في هذا الفصل وهي: لأي نوع من الناس يكون التصديق بالروايات التاريخية الواردة في الكتب المقدسة ضروريا، ولأي سبب؟ ولكي نقوم بهذا البحث بالاستعانة بالنور الطبيعي يجب علينا أن نسير على النحو الآتي:
إذا طلبنا من الناس أن يعتنقوا أو أن يرفضوا عقيدة تتعلق بشيء غير معروف بذاته يتحتم علينا أن نبدأ من نقاط معينة متفق عليها، وأن نعتمد في الإقناع على التجربة أو على العقل، أي أن نعتمد على الوقائع التي يتحقق الناس بحواسهم من وجودها في الطبيعة، أو على بديهيات العقل المعروفة بذاتها. ولكن، ما لم يكن في استطاعة التجربة أن تعطينا معرفة واضحة ومتميزة، فإنها مع استطاعتها إقناع المرء، لن تؤثر في الذهن، ولن تبدد الغيوم التي تخيم عليه، كما يفعل الاستنباط بالترتيب السليم للحقيقة التي نريد إثباتها، بالاعتماد على بديهيات العقل وحدها، أي تلك التي تقوم على سلطة الذهن وحده، لا سيما حين يكون الأمر متعلقا بموضوع روحي لا يقع مطلقا تحت الحواس. ومع ذلك ففي أغلب الأحيان يكون من الضروري، لإثبات حقيقة باعتماد على أفكار العقل وحده، الحصول على سلسلة طويلة من المدركات الحسية، هذا فضلا عن الحرص الشديد والبصيرة النافذة والقدرة الفائقة على السيطرة على النفس، وكلها صفات لا توجد في الناس إلا نادرا. ومن ثم تراهم يفضلون التعلم بالتجربة على استنباط مدركاتهم الحسية مع عدد قليل من البديهيات ثم ربط بعضها ببعض. وإذن، فلو أردنا أن نعلم أمة بأكملها - إن لم نقل الجنس البشري كله - عقيدة ما، وأن نجعل جميع الناس يفهمونها بكل تفصيلاتها، فإننا نجد لزاما علينا أن نثبتها بالالتجاء إلى التجربة، وأن نجعل أسبابها وتعريفات الأشياء المراد تعليمها ملائمة بدقة لمستوى فهم العامة التي تكون الجزء الأعظم من الجنس البشري، فنتخلى عن التسلسل المنطقي للأسباب وعن إعطاء التعريفات اللازمة لأحكام الربط بينها على أفضل نحو ممكن. ولو لم نفعل ذلك لكنا نكتب للراسخين في العلم وحدهم، أي إنه لن يستطيع فهمنا إلا عدد ضئيل نسبيا من الناس، وإذن فلما كان الكتاب قد أوحى أولا لكي تفيد منه أمة كاملة، ثم الجنس البشري كله، فقد كان من المحتم أن يتلاءم محتواه مع أفهام العامة، وأن يكون الإثبات فيه بالتجربة وحدها. ولكي نجعل هذه النقطة أكثر وضوحا، نقول: إن تعاليم الكتاب النظرية تتضمن أساسا أن هناك إلها، أي موجودا صنع كل شيء، يسيره ويحفظه بحكمة عليا، وهو يرعى البشر أعظم رعاية، أعني أنه يرعى منهم من يحيون حياة التقوى والأمانة ويعاقب من سواهم بمختلف ألوان العذاب ويفصلهم عن الأخيار. ويثبت الكتاب هذه التعاليم بالتجربة وحدها، أي عن طريق القصص التي يرويها. وهو لا يعطي مطلقا تعريفات لهذه الأمور، بل يكيف أفكاره وعلله كلها على مستوى فهم العامة. ومع أن التجربة لا تستطيع أن تعطي أية معرفة واضحة بهذه الأمور، أو أن تنبئنا بما يكونه الله وكيف يحفظ جميع الأشياء ويدبرها ويرعى الناس، فإنها تستطيع مع ذلك أن تعلم الناس وأن تنيرهم بقدر يكفي لكي تطبع نفوسهم على الطاعة والخشوع.
26
وأعتقد أني قد بينت بذلك، بما فيه الكفاية، نوع الناس الذين يكون الإيمان بقصص الكتب المقدسة ضروريا لهم وما أسباب ذلك؛ إذ يتضح تماما مما بينته الآن أن معرفة هذه القصص والإيمان بحقيقتها ضروري إلى أقصى حد للعامة الذين لا تقوى أذهانهم على إدراك الأشياء بوضوح وتميز. ومن ناحية أخرى، فإن من ينكرها، نظرا إلى كونه لا يعتقد بوجود إله أو بعناية إلهية، يمكن أن يعد كافرا، أما من يجهلها ومع ذلك يؤمن، عن طريق النور الفطري، بوجود إله، وبكل ما يترتب عليه، ويطبق من جهة أخرى قاعدة السلوك الصحيحة في الحياة، فإنه يحصل على السعادة الروحية الكاملة، بل يحصل منها بالفعل على أكثر مما يحصل عليه العامي؛ إذ ليست لديه أفكار صحيحة فحسب، بل لديه أيضا معرفة واضحة ومتميزة. وأخيرا، يترتب على ما بينته من قبل أن من يجهل قصص الكتاب هذه ولا يعلم شيئا بالنور الفطري، هو شخص إن لم يكن كافرا، أي عاصيا، فهو على الأقل كائن سلبت إنسانيته وأصبح أشبه بالبهائم لا يملك أية هبة من الله. ومع ذلك فلنذكر أننا بحديثنا هنا عن الضرورة القصوى التي تحتم على العامة معرفة قصص الكتاب لا نقصد أن تكون المعرفة الكاملة بجميع هذه القصص ضرورية؛ إذ تكفي فقط معرفة أكثرها أهمية، وهي القصص التي تعرض بنفسها بوضوح كاف، ودون الاستعانة بالأخريات، العقيدة التي أشرنا إليها من قبل، ويكون لها من القوة ما تستطيع أن تؤثر به على النفوس الإنسانية. والواقع أنه لو كانت جميع قصص الكتاب ضرورية لإثبات هذه العقيدة - وكنا لا نستطيع أن ننتهي إلى نتيجة تؤيده إلا بعد تأمل هذه القصص كلها - لكان البرهان على هذه العقيدة والتصديق النهائي بها يتجاوز فهم الجمهور وقواه ويعلو على فهم الإنسانية جمعاء. فمن الذي يستطيع أن يعي في وقت واحد مثل هذا العدد الكبير من الروايات والملابسات وتفصيلات العقيدة التي يجب استخلاصها من هذه القصص المتعددة المتنوعة؟ إنني، على الأقل، لا أستطيع أن أقنع نفسي بأن أولئك الذين تركوا لنا الكتاب بوضعه الحالي كانوا يتمتعون بقدرات ذهنية تمكنهم من القيام بمثل هذه الطريقة في العرض، كما أنني أقل اقتناعا بالزعم القائل إنه لا يمكن فهم عقيدة الكتاب إلا بعد معرفة المنازعات التي وقعت بين آل إسحاق
Page inconnue