إن زجر الانفعالات والأحاسيس إنما يزيد في القوى النفسية المدخرة، ويرسل حول النفس مهابة وجلالا؛ لأنه لا يحيلها مكشوفة ظاهرة على الأبصار، ويجنبها في كثير من الأحيان موارد الخطأ، ويحميها من مهاوي الضلال، وليس من ريب في أن الاحتفاظ بما يختلج في النفس، أو الحرص على كتمان ما يعتمل في الخاطر، يكسب الشخصية عمقا، ويحيلها بعيدة الغور لا يبلغ أحد منها مواضع الأعماق.
إن قوة الإرادة تمنع من التهالك والتهافت والفضول والصغار، وتصون الشخصية بكل ما لها من وقار، وهي من جهة الزعامة تكبح جماح الأحاسيس الأثرة، وتزجر المشاعر الأنانية، والمآرب الذاتية، وتختزن قدرا احتياطيا عظيما من القوى الروحية لوقت الشدائد وحين الأزمات، وهي ملاك سيادة الإنسان نفسه، ومن ثم ملاك سيادة النفوس، وسلطانه على الأرواح، وهي قوام الاحترام الذاتي والاعتداد بالكرامة، والترفع عن كل حقير وصغير مهين.
ولعل أبلغ ما قيل في فضل عمق النفس وبعد غورها ما قد أثر عن بنيامين فرانكلين، وهو «لا تدع الناس يعرفونك تمام المعرفة، فقد جبل الناس على مخاض الجداول الضحضاحة القليلة العمق بالأرجل والأقدام ...!»
ولقد أرتنا الحوادث كيف كان ضبط النفس معوانا لبعض الرجال على الوصول إلى مكان الزعامة بفضل كبح النفس في المواقف العظيمة، وساعات الاضطراب الاجتماعي وإزاء الأحداث الخطيرة، فإن التماسك والاتزان والرشد من شأنها جميعا أن ترفع صاحبها عن مستوى الناس إذا ما ذهب كل فرد هائما على وجهه، وساد الأفق فزع، واختلط على القوم أمرهم، وحارت العقول أين السبيل إلى النجاة وأين مكان الحق وموضع الصواب؟ وكم من امرئ استطاع بقوة الاتزان، وضبط النفس أن يسمو بشخصيته على آخرين كانوا أكبر شأنا منه وأرفع خطرا.
وقد يكتسب الاتزان وضبط النفس بالرياضة على احتمال الآلام، والصبر للشدائد، ومغالبة الخطوب، والابتسام للصعاب والأحزان والتجاريب القاسية، تلك البسمات الدائمة التي لا تفتر عن الثغر ولا ينطفئ من الوجوه لها وميض.
ولعل مقاومة فنون المال ومغالبة سحر الذهب النضار أروع مظاهر ضبط النفس وقوة الشكيمة والبأس، على فرط ما لذلك السحر من سلطان على النفوس، ورغم قيمة المال في نظر المجتمع وتقديره، وبخاصة في هذا العصر المادي المتحجر الذي فتنه المال أيما فتون، ولقد كان جواب أجاسيز العالم الأمريكي إذ عرض عليه مركز يدر عليه المال الوفر أن ليس لديه فسحة من الوقت ليشتغل بالمال، وأن الحياة أغلى وأرفع قيمة من أن تنفق في هذا السبيل، ولقد جعل أجاسيز دأبه في الحياة ومبدأه أن ينصرف عن أي عمل عقلي بمجرد أن يصبح ذلك العمل مجزيا أو عائدا بفائدة مادية أو له قيمة تجارية ما.
وثم أيضا فتنة تقتضي مقاومتها شكيمة قوية وضبط نفس شديدا، وهي فتنة المديح وسحر الرتب والأوسمة والألقاب، فقد رفض إديسون درجات الشرف حين عرضت عليه، وهو يشتغل بتجاريبه العلمية ومخترعاته، كما أبى العلامة أينشتاين أن يستمع للمديح العام الذي لهج الناس في العالم به، وأطالوا في ترداده تنويها بفضله وإقرارا بعلمه، حتى لقد قيل عنه إنه لا يعرف عدد الجامعات التي منحته ألقابا فخرية، وجعل إذا هو تحدث عن الوثائق الرسمية والبراءات الخاصة بدرجات الشرف وألقاب الفخار التي انهالت عليه يصفها بقوله: «لفائف الفخر» التي لا تصلح لغير لف الحوائج، وكان يتحاشى عرضها على الزوار، ويأبى فرجة الناس عليها إذا ما أقبلوا عليه مسلمين.
العالم الرياضي أينشتاين.
وكم من عظماء أحالهم ضبط النفس أو الزاجر القوي من الإرادة زاهدين في متع الدنيا متبتلين للعمل منقطعين لخير الإنسانية! وكم من زعماء عرفوا كيف يمسكون بغضبهم، ويهدئون من ثائرة نفوسهم، ويكبحون جماح هواهم، فعاشوا طيلة أعمارهم مثال النزاهة والعفة والنقاء!
ويروى بسبيل مظاهر الاتزان وجمال السكينة النفسية وضبط النفس أن الملكة فكتوريا كانت لذلك كله في حداثة سنها مثالا عجبا، فقد تجلت تلك الصفات عليها وهي شابة عند اعتلائها عرش بلادها، فأكسبتها هذه المظاهر الرائعة إعجاب الملايين من أفراد شعبها العظيم، حتى لقد قيل إنه ندر ما أبدت فتاة أو امرأة في مثل سنها من السيطرة على إرادتها، والاتزان في حركتها وفطرتها والهدوء السابغ عليها، والسكينة الضافية على مسلكها، ما أبدت الملكة الصغيرة في تلك المناسبة.
Page inconnue