وقد بلغ من تهوره يومئذ وهياج نفسه أن اتصل بوزير فرنسا المفوض وسفير إيطاليا في مصر يسألهما مظاهرته على الموقف الشاذ الهائج الذي ينتوي أن يقفه؛ فأكدا له أنهما شخصيا وحكومتيهما على أتم الاستعداد لتأييده!
ونحن ندعه هنا يتحدث عما فعل يومئذ إزاء مسألة تمثلت له كأنها توشك أن تعرض الأرواح للخطر، وتسيل الدماء في الشوارع جارية:
ومن ثم بعثت إلى وزير الخارجية برسائل مسهبة شرحت له فيها التطورات المحتملة في الموقف، وقلت له إنني من رأيي في حالة وصول جواب غير مرض أن نوجه إلى الحكومة المصرية هذا السؤال البسيط الصريح: هل قبلتم تصريح 28 فبراير أو لا؟ فإذا كان الجواب نفيا أو يحتمل معنيين، كانت الخطوة التالية أمامنا أن نحصل من جلالة الملك على مرسوم بتعطيل البرلمان، وتأليف وزارة إدارية نعرض عليها مشروع معاهدة شاملة وافية، ونحدد لها أجل القبول، ونبين لها أن استعادة الحياة النيابية تتوقف على قبول تلك المعاهدة.
وفي الوقت نفسه بينت لوزير الخارجية الخطة التي في نيتي اتباعها في حالة حدوث اضطرابات في خلال هذه المرحلة ...
وقد أجابه وزير الخارجية البريطانية يومئذ - وكان سير أوستن تشمبرلن - بالموافقة، ولكن في شيء كثير من التحفظ، قائلا: «إن هذه المجازفات قد تكون مما لا سبيل إلى اجتنابه، ولكني أود أن أتلقى آراءكم وأحتفظ بحكمي عليها ...»
وإزاء المذكرة الجافية المتهورة التي بعث بها لورد لويد إلى الحكومة المصرية في هذا الشأن، أرسلت وزارة ثروت باشا في الثالث من شهر يونيو سنة 1927 ردا حكيما بارعا متزن الأسلوب، ولكن لورد لويد الهائج المحنق لم ير فيه مسكنا لثائرته، ولم يجد خلاله مهدئا لهياجه؛ حتى لقد هم بأن يعيد الضغط ويشدد النكير، لولا أن تلقى من رئيس الحكومة البريطانية - مستر بلدوين يومئذ - برقية فجائية يأمر فيها بأن يدع تلك «المطالب» جانبا، ويشرع في مفاوضة رسمية على الاتفاق مع مصر؛ فاشتد هياجه، وازداد حنقه، وفسدت عليه خططه المتعسفة، وتدابيره الخرقاء.
ولكنه لم يكتف بما فعل، ولم يذعن إلى ما قد طلب إليه، بل ما زال يومئذ بثروت باشا حتى حمله على تبادل مذكرات أخرى في موضوع الخلاف ذاته، وهو الإشراف على الجيش المصري، وانجلت الأزمة بالتراضي بين الفريقين.
لقد كانت أزمة الجيش إذن من صنع لويد وخرقه في السياسة، ووليدة غطرسته الاستعمارية، ولكنها انتهت بنجاة الدستور، وكان أبدا محور تهديد الإنكليز، ومدار وعيد السياسة الغاشمة التي لزمها ذلك المندوب المفتون بالسلطان.
وانتهت الدورة البرلمانية في ذلك العام بخطبة «الوداع»، أو بآخر كلام سياسي فاه به سعد العظيم. وكان المرض قد دب يومئذ إلى جسده، فراح يقول بصوت متهدج ومنطق مؤثر، ينفذ إلى أعماق القلوب: «يعز علي أن أبصر منبر الخطابة ولا أستطيع له رقيا، وأن أرى منصتين ولا أجد له صوتا فتيا.»
واستوفى سعد أجله خلال العطلة البرلمانية في الثالث والعشرين من شهر أغسطس سنة 1927، فعظمت بموته الفاجعة، وعمت به المصيبة، وفقدت الأمة زعيمها الأكبر، وقائدها المعلم، وسياسيها الواسع الحيلة، وخسر الدستور أكبر المدافعين عنه وأجرأ المناضلين.
Page inconnue