Logique et philosophie des sciences
المنطق وفلسفة العلوم
Genres
وقد يقال، رغم ذلك، إن بعض المعايير التي يرجع إليها التفكير العلمي، وخاصة في التاريخ وعلم الاجتماع، هي بالفعل تعبير عن آراء العالم ذاته أكثر مما هي تعبير عن معيارية حقيقية. فإن قال المرء مثلا إن أصلح جماعة اجتماعية هي تلك التي تنتج أكبر إنتاج أو تتماسك أقوى تماسك، أو أن خير تعليم هو الأكثر حرية (بينما يرى آخرون أنه الأكثر خضوعا للسلطة )، أو أن التاريخ يتجه إلى تكوين مجتمع بلا طبقات (بينما يرى آخرون أنه يتجه إلى تكوين مجتمع يزداد تفاوتا)، فهلا تكون هذه الأحكام، سواء أكانت عملية أم أخلاقية، أحكاما شخصية تقحم في مجال تفسير الظواهر؟ الواقع أن هذه الأحكام إذا كانت تعبر عن ذاتية العالم، فإنها تعبر أيضا عن الموقف التاريخي والاجتماعي، وعن المعيارية المتعلقة بالجماعة أو المجتمع أو العصر الذي يكون العالم جزءا منه، وهذا ما تكشف عنه بالفعل الدراسة السيسولوجية لعلم الاجتماع
sociologie de la sociologie
أعني علم الاجتماع الخاص بالمعرفة، الذي يتجلى فيه تحيز العالم على أنه تعبير عن حقيقة اجتماعية. ولكن من واجب العالم بطبيعة الحال ألا يركن إلى علم الاجتماع الخاص بالمعرفة في محاولة تفسير هذه التفصيلات؛ بل يجب عليه أن يحاول التخلص منها، وألا يخلط بين معيارية المجال البشري الذي يدرسه وبين التفضيلات الخاصة التي يشعر بها نحو صورة معينة للمجتمع أو نحو مستقبل سياسي معين. (ب)
الغائية والسببية:
في هذه الحالة تعبر الأحكام المعيارية التي يصورها العالم عن قدرته على التقويم في موضوع دراسته. ومعنى ذلك أن علوم الإنسان لا تستبعد الغائية. والحق أن الحياة ذاتها، تتجه في المجال البيولوجي إلى تحقيق فرد سليم، أعني فردا قادرا على البقاء والتكيف مع العالم وتأكيد سيطرته عليه. والبيولوجيا تصف جهد التكيف هذا، وفي الوقت نفسه تستلهمه وتشارك فيه. كذلك يتجه الإنسان، من الناحية النفسية، إلى اختراع الوسائل التي تضمن له سلوكا يزداد تكيفا ونجاحا، وهو السلوك الذي تبدو بعض الرواسب أو ضروب التقهقر حالات مرضية بالنسبة إليه؛ بل إن الظاهرة المرضية ذاتها تعد صورة ممسوخة أو مشوهة لهذا الجهد. وأخيرا، فإن الجماعة الاجتماعية تتجه، هي الأخرى، إلى الاستمرار في البقاء وإلى حفظ توازنها، لا عن طريق عمليات للتنظيم الذاتي أو الإصلاح الذاتي، كما هي الحال في الكائن العضوي؛ بل عن طريق وسائل تزداد دقة على الدوام، كالتربية والإدارة ونظام الشرطة، وهي الوسائل التي تدعو الفرد إلى الاندماج في المجتمع والعمل على حفظ وجوده. وعلى هذا النحو يمكننا أن نتحدث عن غائية اجتماعية، وربما عن غائية تاريخية، وذلك إذا سلمنا بأن الصيرورة البشرية في مجال المجتمع لا الفرد، ليست نتيجة للصدف وحدها، أي لحتمية تبلغ من التشابك والتعقد حدا لا يمكن معه تمييز عناصرها.
غير أن الغائية، مفهومة على هذا النحو، لا تغض من قيمة التفسير السببي؛ بل الأمر على عكس ذلك تماما، لأنها إذا شاءت أن تبرر وجودها، فإنما يكون ذلك عن طريق الحتمية التي توضح كيف يتسنى للوسائل أن تنتج الغاية، أو كيف تؤدي الغاية بدورها إلى نتائج معينة، وبالتالي كيف تتأكد معيارية الفرد أو الجماعة وتنمو، أعني كيف يكون الفرد السوي، مثلا، هو ذلك الذي يتكيف مع المجتمع على أفضل وجه، وكيف أن أكثر الجماعات تجانسا هي أكثرها بقاء، وكيف أن حالة اجتماعية معينة توحي بمستقبل معين، وتتجه إلى تحقيقه. (ج)
الفهم والتفسير:
ومن جهة أخرى، فالإنسان أيضا وعي، وهو بهذا الاعتبار مقفل بالنسبة إلى غيره من الناس، وشفاف أمامهم في آن واحد. فهو لا يعرف الآخر معرفته للأشياء، وإنما يتعرف عليه بوصفه شبيها له، بفضل ما لديه من قدرة على الاتصال به، وعلى قراءة تعبير عاطفي على وجهه، والارتياب في قصد معين وراء فعل ما، أو أحد الدوافع وراء قرار ما. فللظاهرة الإنسانية دلالة تدرك مباشرة على الدوام، حتى لو لم تكن واضحة أو صالحة للتطبيق. وهذا ما أسماه بعض الكتاب - منهم الفيلسوف مثل «دلتي
Dilthey » والمؤرخ مثل «ماكس فيبر» وعالم النفس مثل ياسبرز - بالفهم
compréhension
Page inconnue