تاريخ بخاری
تاريخ بخارى / تعريب
وبلغ عمرا بن الليث هذا الخبر، فسر (أى الأمير إسماعيل) وكان على شاطئ جيحون، وجاء منصور بن قراتكين «4» وپارش البيكندى من خوارزم إلى نهر آمويه (جيحون)، ووصل من ولاية التركستان وفرغانة ثلاثون ألفا، وفى الخامس والعشرين من ذى القعدة أرسل محمدا بن هارون مع مقدمة العسكر وخرج هو فى اليوم التالى وعبر جيحون، وجمع الجيوش فى آمويه (جيحون) من كل مكان، وساروا من بخارى إلى مدينة خوارزم، وقد أخذوا أهبتهم حتى يوم الإثنين التالى، واتجهوا من هناك إلى بلخ، وحاصر عمرو بن الليث المدينة وعسكر هو أمامها وأخذ العسكر وأحاط بالخندق وبقى عدة أيام حتى جاء الجيش وأحكم الأسوار وتظاهر أمام الناس بأنه رحل عن مدينتهم وأدخل السرور على قلوبهم، وأرسل الأمير إسماعيل عليا بن أحمد إلى فرياب «1» وأمر فقتلوا عمال عمرو بن الليث، وأتوا بكثير من المال، وأرسل الرجال من كل مكان فكانوا يقتلون رجال عمرو بن الليث ويأتون بالأموال ونزل الأمير إسماعيل بعليا باد بلخ «2» وأقام هنالك ثلاثة أيام، وأنهض الجيش من هنالك وأظهر بأنه سينزل بالمصلى، وأمر فوسعوا ذلك الطريق. فلما رأى عمرو بن الليث الأمر كذلك حصن الأبواب فى ذلك الجانب وجعل العسكر يتقدمون إلى تلك الناحية وأقام المجانيق والعرادات هنالك، ووضع كمينا فى طريق المصلى وشغل مكان الجيش، فلما طلع الفجر غير الأمير الماضى «3» الطريق وقصد باب المدينة من طريق آخر ونزل بجسر عطا (پل عطا)، فتعجب عمرو ابن الليث من هذا العمل وكان يتحتم حمل المجانيق أيضا إلى ذلك الجانب وبقى الأمير إسماعيل هنالك ثلاثة أيام وأمر فقطعوا المياه عن المدينة وأخذوا يهدمون السور ويقتلعون الأشجار وسدوا الطرق «4» حتى كان صباح يوم الثلاثاء، فركب الأمير إسماعيل فى خف من العسكر وقصد باب المدينة، فخرج عمرو بن الليث ودارت الحرب وحمى الوطيس، وانهزم عسكره (أى عسكر عمرو) وكان العسكر يطاردونهم يقتلون بعضا ويأسرون بعضا حتى وصلوا إلى بعد ثمانية فراسخ من بلخ، فرأوا عمرا ابن الليث مع خادمين، فر أحدهما وتعلق الآخر بعمرو بن الليث، فقبضوا على عمرو بن الليث، وكان كل واحد يقول أنا الذى أسرت عمرا بن الليث، فقال عمرو بن الليث: إن خادمى هذا هو الذى قبض على؛ وقد أعطى عمرو ابن الليث ذلك الخادم خمس عشرة حبة من اللؤلؤ قيمة كل منها سبعون ألف درهم، فأخذوا تلك اللآلئ من ذلك الغلام. وكان القبض على عمرو بن الليث يوم الأربعاء العاشر من جمادى الأولى سنة ثمان وثمانين ومائتين (900 م) وأتوا بعمرو بن الليث إلى الأمير إسماعيل، وأراد عمرو بن الليث أن يترجل فلم يأذن الأمير الماضى وقال: اليوم أفعل بك ما يعجب له الناس، فأمر فأنزلوا عمرا بن الليث بالسرادق وأرسل أخاه (أى أخ الأمير إسماعيل) لحراسته. وبعد أربعة أيام رأى الأمير (إسماعيل) «1» فسألوا عمرا بن الليث كيف قبض عليك؟ فقال: كنت أعدو فعجز جوادى، فترجلت ونمت ورأيت غلامين واقفين عند رأسى فجرد أحدهما السوط ووضعه على أنفى، فقلت ماذا تريد من رجل هرم «2»؟، وأقسمت عليهما ألا يقتلانى فترجلا وقبلا قدمى وأمنانى، وأركبنى أحدهما جوادا وتجمع الناس وقالوا ما معك؟ فقلت معى بضع لآلئ قيمة كل منها سبعون ألف درهم وأعطيتهم خاتمى وخلعوا خفى من قدمى فوجدوا بعض الجواهر الثمينة وأدركنى الجيش وكان محمد شاه يمنع الناس عنى، وفى هذه الأثناء رأيت الأمير إسماعيل من بعد، فأردت أن أترجل فأقسم بروحه ورأسه ألا تنزل، فاطمأن قلبى، وأنزلنى بالسرادق وجلس معى أبو يوسف واحتجزنى، وحين طلبت الماء أعطونى ماء الورد وعاملونى بكل إعزاز وإكرام، ثم دخل عندى الأمير إسماعيل ولا طفنى وتعهد بألا يقتلنى وأمر أن يركبونى الهودج ويبلغونى المدينة مكرما ويدخلونى سمرقند ليلا بحيث لا يعلم أحد من أهلها، واشترى الأمير إسماعيل خاتمى من الشخص الذى كان معه بثلاثة آلاف درهم «1» ودفع ثمنه وأرسله إلى، وكان فص الخاتم من الياقوت الأحمر. وقال عمرو بن الليث: كان معى يوم المعركة أربعون ألف درهم نهبت فى الحرب، وكنت على جواد يقطع خمسين فرسخا، وقد سبق لى تجربته، فكان اليوم يسير بضعف بحيث رغبت فى الترجل عنه، وقد غاصت قوائم الحصان فى جدول فسقطت عنه ويئست من نفسى، فلما قصدنى هذان قلت لمن كان معى: اركب حصانى، فركبه ونظرت فكان يسير كالسحاب، فعرفت أن ذلك كان لإدبارى وليس عيب الحصان.
وقال عمرو بن الليث للأمير إسماعيل: لقد أخفيت فى بلخ عشرة أحمال من الذهب، فمر بأن يأتوا بها فأنت أولى بها اليوم. فبعث الأمير إسماعيل شخصا وأتوا بها وأرسلها جميعا إلى عمرو بن الليث، وكلما ألحوا على الأمير إسماعيل رحمه الله لم يقبل (منها شيئا)، ووصل كتاب أمير المؤمنين إلى سمرقند بطلب عمرو بن الليث، وكان عنوان الكتاب مكتوبا هكذا: «من عبد الله بن الإمام أبى العباس المعتضد بالله أمير المؤمنين إلى أبى إبرهيم إسماعيل بن أحمد مولى أمير المؤمنين» «2» فلما وصل الكتاب إلى الأمير إسماعيل حزن من أجل عمرو بن الليث، إذ لا يمكن رفض أمر الخليفة فأمر فجى ء بعمرو بن الليث إلى بخارى فى الهودج ولم يره الأمير إسماعيل وجهه خجلا وأرسل إليه شخصا قائلا: إذا كانت لك حاجة فاطلبها.
صفحه ۱۲۸