تاريخ بخاری
تاريخ بخارى / تعريب
ولما رحل الأمير نصر عن الدنيا ذهب الأمير إسماعيل من بخارى إلى سمرقند وأقام أود الملك، وأقام ابنه أحمد خليفة له وواصل الغزو من هنالك. وكان الأمير إسماعيل قد جاء إلى بخارى وبقى بها عشرين سنة حتى رحل أخوه عن الدنيا وفوض إليه جميع ماوراء النهر. ولما بلغ أمير المؤمنين المعتضد بالله «2» خبر وفاة الأمير نصر أعطى منشور عمالة ماوراء النهر إلى الأمير إسماعيل فى شهر المحرم سنة مائتين وثمانين (893 م). وقد ذهب فى هذا التاريخ محاربا إلى «طراز» «1» ولقى عناء كبيرا، وخرج أمير طراز آخر الأمر وأسلم مع كثير من الدهاقين، وفتحت طراز وجعلوا كنيستها الكبرى «2» مسجدا جامعا، وتليت الخطبة باسم أمير المؤمنين المعتضد بالله، وجاء الأمير إسماعيل بغنائم كثيرة، وملك سبع سنوات وكان أمير ماوراء النهر إلى أن عظم أمر عمرو بن الليث «3» واستولى على بعض خراسان وأخذ فى الغزو. وقد طلب الأمير على بن الحسين من أحمد أمير الكوزكانية «4» المعونة، فلم يلق منه جوابا طيبا، فعبر جيحون، وجاء إلى الأمير إسماعيل ببخارى، فسر الأمير وخرج لاستقباله بالجيش، وجاء به إلى بخارى معززا مكرما، وأرسل إليه نعما كثيرة، وذهب على بن الحسين إلى فرب وبقى بها ثلاثة عشر شهرا، وكان الأمير إسماعيل يرسل إليه على الدوام بالهدايا ويعزه. وكان على بن الحسين يقيم هنالك إلى أن قتله ابنه فى الحرب. وقد كتب عمرو بن الليث إلى أبى داود أمير بلخ وأحمد بن فريغون أمير الكوزكانية والأمير إسماعيل أمير ماوراء النهر ودعاهم إلى طاعته ووعدهم الوعود الحسنة، وقد ذهبوا إليه نزولا على أمره وقدموا الطاعة، فجاء رسول إلى الأمير إسماعيل وأعطاه رسالة وأخبره بطاعة أمير بلخ وأمير الكوزكانية (لعمرو بن الليث)، وقال أنت أولى بهذه الطاعة وأجل وأعرف بقدر السلطنة لأنك أمير. فأجابه الأمير إسماعيل بأن مولاك من الجهل بحيث يسوينى بهما وهما عبدان لى وسيكون جوابى لك بالسيف وليس بينى وبينه غير الحرب، فعد إليه وأخبره ليعد وسائل القتال. فتشاور عمرو بن الليث مع الأمراء والكبراء وطلب منهم العون فى أمر الأمير إسماعيل وقال: يجب أن نرسل إليه شخصا آخر ونحاسنه فى القول ونعده الوعود الطيبة، فأرسل إليه (أى إلى الأمير إسماعيل) جماعة من مشايخ نيسابور ومن خواصه وكتب إليه رسالة قال فيها: ولو أن أمير المؤمنين (أى الخليفة) أعطانى هذه الولاية فإنى أشركتك فى الملك فيجب أن تكون عونى وتصفو لى حتى لا يجد أى واش سبيلا بيننا وتكون بيننا صداقة واتحاد، وقد كان ما قلناه قبل هذا على سبيل رفع الكلفة وقد عدلنا عنه، فيجب أن تحتفظ بولاية ماوراء النهر التى تتاخم العدو وتعنى بالرعية، وقد منحناك هذه الولاية ولا نريد غير إسعادك وعمار بيتك وأسرتك. وبعث بنفر من معاريف نيسابور [وذهب إلى أبيه وعاهده وأشهدهم على نفسه] «1» وقال: لا ثقة لنا بغيرك قط فيجب أن تثق أنت أيضا بنا وتعاهدنا لتستحكم بيننا الصداقة. ولما بلغ الأمير خبر عمرو بن الليث بعث (بجماعة) «2» إلى ضفة جيحون ولم يدعهم يعبرون ولم يأخذوا منهم ما كانوا جاءوا به ولم يحضروه (أى إلى الأمير) وأعادوهم صاغرين، فغضب عمرو بن الليث وشمر للحرب وأمر عليا بن سروش قائده بأن يذهب مع الجيش إلى نهر آموى (جيحون) ويعسكر ولا يتسرع فى العبور حتى يأمره وأرسل فى إثره قائدا آخر اسمه محمد بن الليث فى خمسة آلاف رجل وقال له تشاور مع على بن سروش وأوقفوا الجيش، وكل من يأتى من هنالك مستأمنا أمنوه وأحسنوا إليه، واصنعوا السفن وأرسلوا الجواسيس.
وكان عمرو بن الليث يرسل العساكر تباعا. ولما علم الأمير إسماعيل هرع من بخارى ومعه عشرون ألف رجل وذهب إلى شاطئ جيحون وبيتهم «1» فجأة وعبر جيحون ليلا، وعلم على بن سروش فركب مسرعا وسلح الجيش وبعث بالمشاة فى المقدمة ودارت الحرب. وكان عسكر الأمير إسماعيل يقبلون من كل صوب وحمى الوطيس وتقهقر محمد بن «2» على بن سروش وأسر هو كذلك وأسر كثير من معاريف نيسابور، وفى اليوم التالى أكرم الأمير إسماعيل جيش عمرو بن الليث وزودهم بالعلوفة وردهم جميعا إلى عمرو بن الليث. وقال كبار العسكر للأمير إسماعيل، إن هؤلاء الذين حاربونا حين أسرتهم خلعت عليهم ورددتهم، فقال الأمير إسماعيل: ماذا تريدون من هؤلاء المساكين ، اتركوهم ليذهبوا إلى بلدهم فإنهم لن يعودوا أبدا لحربكم، ويثبطون الآخرين. وعاد الأمير إسماعيل إلى بخارى بكثير من الفضة والثياب والذهب والسلاح. وقد لبث عمرو بن الليث بعد ذلك عاما فى نيسابور محزونا ومحسورا ومهموما ونادما وكان يقول: سأثأر بعد لعلى بن سروش وولده. ولما علم الأمير إسماعيل بأن عمرا بن الليث يستعد للحرب جمع جيشه وزوده بالعلوفة وتفقدهم من كل جانب وأعطى العلوفة لمن يستحق «3» وللنساجين جميعا، وكان هذا يشق على الناس، وكان يقول: سأحارب عمرا بن الليث بهذا الجيش.
صفحه ۱۲۵