672

تفسیر صدر المتألهین

تفسير صدر المتألهين

امپراتوری‌ها و عصرها
عثمانیان
صفویان

ويمكن تقرير شبهة الملائكة، واستخبارهم على وجه آخر، وهو أن الإنسان قد اختص بتشريف الخلافة ومسجودية الملائكة من بين سائر الموجودات من الأملاك والأفلاك، وجميع من في طبقات السموات والأرض والجبال، وهو مع ذلك مخلوق من التراب، وفي أول خلقته، كان أنزل رتبة من الجواهر السماوية والأرضية، وما في المعادن والجبال، إذ كان أضعف وجودا وأخس جوهرا من كل جوهر عقلي أو نفساني أو طبيعي، فكيف فاق على الأقران، وجاوز رتبة النبات والحيوان، ومر على طبقات السموات بنفوسها وعقولها حتى صار خليفة الرحمن، واسطة بين الله وبين ما سواه - بعد أن كان في عداد الحشرات والديدان، ممنوا بآفة الشهوة والغضب كالأسد والأرنب -؟! وكيف اختص هو بذلك الشرف والقرب - دون غيره -، وما من غير إلا وقد كان مثله وقتا؟

أما المعادن، فقد كان الإنسان مثلها وقتا؛ وأما النباتات، فقد نزل قبل الحيوانية في درجتها؛ وأما الحيوانات، فهو بما هو حيوان من أصنافها، وإنما فاز بالنفس الناطقة بعد التجاوز عما في مرتبتها؛ وأما السماويات، فما من طبقة من طبقاتها إلا وقد مكث فيها الإنسان الكامل قليلا أو كثيرا، ثم جاوزها حتى بلغ منتهاها، ووصل إلى غاية مثواها ومبتغاها، فما سبب تجاوزه عن كل مرتبة ذكرناها إلى فوقها دون صاحب تلك المرتبة؟ مثلا، إذا نزل في عالم النفوس الفلكية، فبأي سبب أمكنه التجاوز عن رتبة تلك النفوس كلها، حتى صار عقلا محضا مفارقا عن الكل في مقام القرب الإلهي، ولم يمكن لواحدة منها ذلك في مدد متمادية إلى أن يشاء الله؟

فهذا تقرير هذا الإشكال على هذا المنوال، وجوابه بأن شأن من خلق للنهاية أن لا يمكث في حدود الطريق إليها.

وبعبارة أخرى؛ إن المتحرك - بما هو متحرك - يجب أن يكون حاله ما بين صرافه الفعل ومحوضة القوة.

وبعبارة أخرى؛ إن الموت عن كل نشأة يوجب الحياة في نشأة ثانية فوقها.

وبعبارة أخرى؛ لكل صورة من الصور، وطبقة من الطبقات، وملك من الملائكة مقام معلوم لا يتعداه لقوة وجودها وشدة فعليتها، والذي خلق للنهاية لضعف وجوده الإبتدائي، لا مقام له كما في قوله تعالى:

يأهل يثرب لا مقام لكم

[الأحزاب:13].

وتفصيل ذلك؛ إن الموجود إما بالفعل من جميع الوجوه، أو بالفعل من بعض الوجوه وبالقوة من بعضها، ولا يمكن أن يكون بالقوة من كل الوجوه، وإلا لم يكن موجودا - وقد فرض موجودا -.

أما القسم الأول، فهو الباري - جل اسمه -، وضرب من الملائكة المقربين، والفرق بأن الباري موجود بوجوده باق ببقاء نفسه، والمقربون موجودون بوجود الله باقون ببقاء الله - لا ببقاء أنفسهم -، وغير المقربين باق بابقاء الله اياه؛ وفرق بين بقاء الشيء بنفسه كما في الواجب الوجود لذاته، وبين الباقي ببقاء غيره، كما في صور ما عند الله، وبين الباقي بابقاء غيره، كما في سائر الممكنات الموجودة الباقية.

صفحه نامشخص