تفسیر صدر المتألهین
تفسير صدر المتألهين
فصل آخر
[كان الملائكة سائلين، لا معترضين]
قوله: { قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدمآء }؛ استكشاف عما خفي عليهم وجه حكمته، كأنهم قالوا: " إلهنا - أنت الحكيم الذي لا يفعل السفه، فما وجه الحكمة في جعل جوهر أرضي خليفة فيها وهو مصحوب لقوة شهوية شأنها الشر والإفساد، ولقوة غضبية شأنها الإهلاك وسفك الدماء، فان النفس اذا انقادت لاحداهما سلكت بها مسلك الفساد والجور والظلم؟
أو تعجب من أن يستخلف لعمارة الأرض وإصلاحها من يفسد فيها مع وجود من هو بريء من الشرور والمفاسد بالكلية، كطبقة الملائكة المعصومين عن المعاصي، المسبحين بحمده والمقدسين له. وليس هذا باعتراض على الله في فعله، أو طعن في بني آدم على وجه الغيبة، أو تزكية لأنفسهم على وجه الافتخار والازراء بغيراهم، - حاشا ملائكة الله عن ذلك - وقد وصفهم الله بأنهم
عباد مكرمون * لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون
[الأنبياء:26 - 27].
وأما علمهم بما ذكروه، وحكمهم بذلك على بني آدم، فليس مما استنبطوه بالقياس -، كما توهم من أنهم قاسوا أحد الثقلين على الآخر، حيث أسكنوا الأرض فأفسدوا فيها قبل سكنى الملائكة، لتعاليهم عن الظن رجما بالغيب، بل إنما عرفوا ذلك بوحي الله، أو باطلاعهم على ما في اللوح المحفوظ، أو بما ارتكز في عقولهم من أن العصمة من المعاصي والشرور كلها من خواصهم، فأجابهم الله عما استخبروه بقوله: { إني أعلم ما لا تعلمون }.
حكمة مشرقية
[سر خلافة الإنسان لله تعالى]
واعلم إن سر خلافة الإنسان لله، من غوامض العلوم التي لم يمكن الإطلاع عليها إلا بتوقيف الله عباده عليها بالوحي أو ما ينتمي إليه.
صفحه نامشخص