تفسیر صدر المتألهین
تفسير صدر المتألهين
الإشراق الرابع:
في بيان حكم الله تعالى ودلائل صنعه وقدرته في خلق السماء، وكونها بناء:
" البناء " مصدر، سمي به المبني - بيتا كان أو قبة أو خباء - وأبنية العرب أخبيتهم، ومنه: " بنى بامرأته " ، لأنهم إذا تزوجوا ضربوا عليها خباء جديدا.
قال الجاحظ: " إذا تأملت هذا العالم، وجدته كالبيت المعد فيه كل ما يحتاج إليه؛ فالسماء مرفوعة كالسقف، والأرض ممدودة كالبساط، والنجوم منضودة كالمصابيح، والإنسان كمالك البيت المتصرف فيه بعقله وفكره، وضروب النبات مهيأة لمنافعه، وصنوف الحيوان مصرفة في منافعه، فهذه جملة واضحة دالة على أن العالم مخلوق بتدبير كامل، وتقدير شامل ".
تنبيه
لما دريت أن تجدد الحوادث والأبدان، وتعاقب الأكوان في الأزمان، لا بد له من جسم دائم الحركة، وآخر دائم السكون، فالله تعالى خلق السماء فوق الأرض، وجعلها مشتملة على أجرام بعضها منيرة كالكواكب، وبعضها شفافة كالأفلاك الكلية والجزئية، لتؤثر أنوارها في الأرضيات وتمتزج بها، وتخرج منها اللطائف، والبخارات، وتنشأ منها الكائنات، ويتكون بها الحيوان والنبات رزقا للعباد، ووسيلة لارتقاء الكلمات الطيبات إليه تعالى.
ولو كانت الفلكيات كلها نورية، لاحترق بالشعاع ما دونها من عالم الكون والفساد، ولو كانت عرية عن النور، لبقي في مهوى ظلمة شديدة لا أوحش منها، فجعل الله الكواكب مضيئة والسماء شفافة، إذ لو كانت ملونة لوقف الضوء على سطوحها كما يقف على الاجرام الملونة الكثيفة.
ولو كانت الكواكب النيرة ثابتة غير متحركة، بأن يكون مكان أكثرها أو معظمها كالشمس يلي القطب، لأحرقت ما قابلها من الأرض، ولم يلحق أثرها ما غاب عنها، فيؤدي إلى شدة البرد وجمود المياه والرطوبات، الموجب لهلاك الحيوان والثمرات، ولو كانت الكواكب النيرة - سيما الشمس - متحركة بالحركة البطيئة، فعلت ما فعله السكون من افراط الجمود والبرودة في المواضع الخارجة عن سمتها، ولو كانت مع تحركها بالحركة السريعة اليومية بوجه لازمت دائرة واحدة، لأحرقت ما سامتته الدائرة، ولم يصل أثر الشعاع إلى باقي النواحي والأقطار.
فجعل للكواكب - مع حركة الكل السريعة - الحركات الأخر البطيئة، ليميل بها إلى النواحي شمالا وجنوبا، ليحصل من ذلك الفصول الأربعة التي بها يتم الكون، وباختلافها تنصلح أمزجة البلاد، وتتكون النفوس الصالحة من العباد للمعاد.
وهذا هو الجلي من حكمة أوضاع السماء وما فيها، والذي يعرفه أكثر الناس؛ ولها في هيئاتها وأوضاعها الخفية - من خصائص مواضع أوجاتها وحضيضاتها، وجوزهراتها وغيرها - منافع عظيمة ومصالح كثيرة، يطلع على نبذ منها أهل الهيئة والهندسة ليس ههنا موضع بيانه.
صفحه نامشخص