تفسیر صدر المتألهین
تفسير صدر المتألهين
[النحل:8] إشارة إلى خلق أطوار ونشئآت كثيرة منها لا نعلمها نحن، ثم إنه تعالى جمع هذه المنافع العظيمة للأرض ومن الله بها على عباده في قوله:
سخر لكم ما في الأرض
[الحج:65].
قال بعضهم: لما خلق الله تعالى الأرض، وكانت كالصدف والدرة المودعة فيها آدم، ثم علم أصناف حاجاته، فكأنه قال: يا آدم لا أحوجك إلى شيء غير هذه الأرض التي هي لك كالأم؛ فقال:
أنا صببنا المآء صبا ثم شققنا الأرض شقا
[عبس:25 - 26]. - الآية - { وأنزل من السمآء مآء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم } يا عبدي؛ إن أعز الأشياء عندك الذهب والفضة، ولو أني خلقت الأرض منهما هل كان يحصل منها هذه المنافع؟! ثم إني جعلت هذه الأشياء في الدنيا مع أنها سجن لك، فكيف الحال في الجنة؟!
فالحاصل، أن الأرض أمك، بل أشفق منها، لأن الأم تسقيك نوعا واحدا من اللبن، والأرض تطعمك ألوانا من الأطعمة، ثم قال:
منها خلقناكم وفيها نعيدكم
[طه:55]. معناه: نردكم إلى هذه الأم، وليس هذا بوعيد، لأن المرء لا يتوعد بأمه، وذلك لأن مقامك من الأم التي ولدتك، أضيق من مقامك من الأرض، ثم إنك كنت في بطن الأم تسعة أشهر وما مسك جوع ولا عطش، فكيف إذا دخلت بطن أمك الكبرى، ولكن بشرط أن تدخل بطن الأم الكبرى كما كنت في بطن الأم الصغرى، ما كانت لك زلة - فضلا من أن تكون لك كبيرة -، بل كنت مطيعا لله، فحيث دعاك مرة بالخروج إلى الدنيا خرجت إليها بالرأس طاعة منك لربك، واليوم يدعوك سبعين مرة إلى الصلاة فلا تجيبه برجلك.
فإذا تأمل العاقل في هذه العجائب والغرائب، يسافر بعقله من هذه النشأة إلى باب مدبر حكيم، ومقدر عليم - إن كان ممن يسمع بقلبه، ويبصر ويعي بعقله ويعتبر -.
صفحه نامشخص