تفسیر صدر المتألهین
تفسير صدر المتألهين
وهذا ممكن في حق الإنسان، فالعلم بهذه المعاملة هو فرض عين في فتوى علماء الآخرة، والمعرض عنها هالك بسطوة ملك الملوك في الآخرة، كما إن المعرض عن الأعمال الظاهرة، هالك بسيف سلاطين الدنيا بحكم فتوى فقهاء الدنيا، فنظر الفقهاء في فروض العين بالإضافة إلى إصلاح الدنيا، وهذا بالإضافة إلى إصلاح الآخرة.
ولو سئل فقيه عن هذه المعاني حتى عن الإخلاص مثلا، أو عن التوكل، أو عن وجه الاحتراز عن الرئاء، لتوقف فيه، مع أنه فرض عينه الذي في إهماله هلاكه في الآخرة، ولو سألته عن اللعان والظهار والسبق بالرمي والرهانة، لسرد عليك مجلدات من التفريعات الدقيقة التي تنقضي الدهور ولا يحتاج إلى شيء منها، وإن احتيج لم يخل البلد عمن يقوم به، فلا يزال يتعب ليله ونهاره في حفظه ودرسه، ويغفل عما هو مهم نفسه في الدين، وإذا روجع فيه قال: " اشتغلت به لأنه علم الدين وفرض الكفاية " فيلبس على نفسه وعلى غيره في تعلمه.
والفطن يعلم أنه لو صدق لاشتغل بعض الاشتغال بسائر فروض الكفايات التي كانت أهم من ذلك، ولم يفت عنه كثير من فروض الأعيان، فهل لهذا سبب إلا أن غير ما هو بصدده ليس يتيسر التوصل به إلى تولي الأوقاف والوصايا، وحيازة مال الأيام، وتقلد القضاء والحكومة، والتقدم به على الأقران، والتسلط به على الأعداء؟! هيهات، قد اندرس علم الدين بتلبيس علماء السوء، فنعوذ بالله من هذا الغرور الذي يسخط الرحمن، ويضحك الشيطان ".
ثم قال: " كان جمع من علماء الظاهر مقرين بفضل علماء الباطن وأرباب القلوب، وكان الشافعي يجلس بين يدي شيبان الراعي كما يقعد الصبي في المكتب، ويسأله: " كيف يفعل في كذا وكذا "؟ فيقال له: " مثلك يسأل هذا البدوي؟! " فيقول: " هذا وفق لما علمناه ".
وكان أحمد بن حنبل ويحيى بن معين يختلفان إلى معروف الكرخي، ولم يكن في علم الظاهر بمنزلتهما، فكانا يسألانه: " كيف نفعل؟ ".
انتهى ملخص ما ذكره في هذا المقام، تأييدا لما نحن بصدده من تحقيق المرام، وإزالة الشكوك والأوهام عن ضمير الطلبة، ممن سلمت فطرته من اللجاج والتعند والتعصب للأقوام، دون المطرودين من باب دار السلام، ومن حق القول عليهم من الله ذي الجلال والإكرام.
الإشراق الثالث:
في دفع شبه الخصوم واعتراضاتهم على وجوب النظر ولهم في ذلك مقامات:
الأول: إن النظر لا يفيد العلم؛ واستدلوا عليه بوجوه:
أحدها: إنا وجدنا العلماء قد تفكروا واجتهدوا فحصلوا عقيب أنظارهم علوما جزموا بها، ثم ظهر لهم ولغيرهم أنها كانت أغلاطا باطلة؛ فعلى هذا لا يمكن الجزم بصحة ما يستفاد من النظر؛ وحكاية الإمام الرازي مع بعض الصوفية مشهورة..................... والنظم الذي صدر منه في أواخر عمره دال على ذلك هو قوله:
صفحه نامشخص