تفسیر صدر المتألهین
تفسير صدر المتألهين
ولا كذلك [ال] فروع، لأن التكليف في ذلك يرجع إلى أعمال العباد، فيجوز أن تختلف التكاليف في حق كل واحد منهم، ويرد الشرع ابتداء بذلك، كصوم يوم واحد من رمضان. يجب على واحد أن يصوم، ويتحتم عليه صومه كالصحيح المقيم، ويجب على الآخر أن يفطر، ويتحتم عليه افطاره كالحائض، ويخير الآخر بين الصوم والافطار، كالمسافر عند جمع، والمريض أيضا، واليوم يوم واحد، ويختلف حكمه باختلاف أحوال المكلفين من غير تناقض وتضاد -، كذلك حكم المجتهدين من العلماء، إذا أدى اجتهاد كل واحد منهم في حكم الحادثة التي لا نص فيها إلى خلاف ما أدى إليه اجتهاد الآخر، فيكون كل واحد منهم متعبدا مكلفا فيما أدى إليه اجتهاده باتفاق الأمة، ولهذا المعنى كانت شرائع الرسل صلوات الله [عليهم] مختلفة، وأديانهم في التوحيد والمعاد متفقة، وإذا ثبت ذلك، فثبت أن هذا العلم أشرف من سائر علوم الدين - فضلا عن سائر العلوم -، وأن اقتناءه فرض عين، فمن شأن العاقل أن يحتاط لنفسه، ويطلب ماله فيه نجاة العقبى، والفوز بالدرجة القصوى، فإن أمور الدنيا زائلة، وعذاب الله شديد - نسأل الله العصمة والتسديد.
الإشراق الثاني
في أن هذا العلم هو الفرض على العين لا على الكفاية، وسائر العلوم إما فرض على الكفاية، أو ليس بفرض أصلا، وأن المراد من قوله (صلى الله عليه وآله):
" طلب العلم فريضة على كل مسلم "
وقوله:
" اطلبوا العلم ولو بالصين "
هو هذا العلم دون غيره.
وقد وقع الاختلاف بين الناس في العلم الذي هو فرض عين، وتحزبوا أكثر من عشرين فرقة، ويطول الكلام بتفصيلها، وحاصله أن كل فريق نزل الوجوب العيني المستفاد من الحديث على ما هو بصدده، فقال المتكلم: " هو علم الكلام، إذ به يدرك التوحيد ويعلم ذات الله وصفاته ".
وقال الفقيه: " هو علم الفقه، إذ به تعرف العبادات وما يحرم ويحل في المعاملات ". وقال المفسرون والمحدثون: " هو علم الكتاب والسنة، إذ بهما يتوصل إلى العلوم كلها ".
وقال المتصوفة: " هو هذا العلم " ، وقال بعضهم: " هو علم العبد بنفسه وبحالها ومقامها من الله ". وقال بعضهم: " هو العلم بالإخلاص وآفات النفوس، وتمييز لمة الملك من لمة الشيطان ". وقال أبو طالب المكي: " هو العلم بما تضمنه الحديث الذي فيه مباني الإسلام، وهو قول الرسول:
صفحه نامشخص